لا يزال جبل الشيخ، أو ما يُعرف بـ”جبل الثلج”، يشكل محوراً استراتيجياً بالغ الأهمية في معادلة الصراع في الشرق الأوسط. فموقعه الجغرافي الممتد بين سوريا ولبنان وفلسطين، وارتفاعه الشاهق الذي يتجاوز 2800 متر، يجعلان منه مركزاً عسكرياً وأمنياً وبيئياً شديد الحساسية. ومنذ أن فرضت إسرائيل سيطرتها على قممه، تحوّل الجبل إلى ورقة تفاوضية تُستخدم كأداة ضغط عسكري وسياسي ومائي على دول المنطقة.
في كانون الأول/ديسمبر 2024، سيطرت القوات الإسرائيلية على قمة جبل الشيخ، الواقع في أقصى جنوب غربي سوريا، بعد انهيار النظام السوري السابق، وأقامت إسرائيل مواقع عسكرية متقدمة على القمة، بما في ذلك محطات رادار ومراقبة، لتعزيز قدراتها الاستخباراتية والرقابية في المنطقة. كما أنشأت منشآت سياحية في سفوح الجبل الغربية، مثل منتجع للتزلج، للاستفادة من الثلوج في فصل الشتاء.
في تصريح سابق له، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن إسرائيل ستبقى في قمة جبل الشيخ والمنطقة الأمنية المحيطة بها، “لحماية الجولان والجليل من التهديدات القادمة من الجانب السوري”. وأضاف أن هذا التواجد هو “درس أساسي” من أحداث السابع من أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن إسرائيل ستواصل أيضاً حماية الدروز في سوريا.
ورغم مرور عقود على الحروب العربية – الإسرائيلية، لا يزال جبل الشيخ يحتفظ بمكانته كأحد أهم العقد الجغرافية والاستراتيجية في المنطقة. فمنذ أن فرضت إسرائيل سيطرتها على قممه العليا، تحوّل هذا الجبل إلى ما يشبه “العين المفتوحة” التي ترصد تحركات الجيوش والمسلحين وحتى المدنيين في محيط واسع يمتد من جنوب سوريا إلى عمق الأراضي اللبنانية وأجزاء من الجولان. هذه السيطرة لم تكن مجرد تفصيل عسكري، بل تحولت إلى رافعة سياسية واستخباراتية تستخدمها تل أبيب كورقة تفاوضية لا تقل أهمية عن أي اتفاق أو سلاح نوعي.
الأهمية المتعددة الأوجه للجبل (عسكرية، مائية، سياسية، وحتى بيئية) جعلت منه نقطة صراع مفتوحة على احتمالات واسعة. فبينما ترى إسرائيل فيه ضمانة استراتيجية لبقائها وتفوقها، تعتبره سوريا جزءاً أصيلاً من سيادتها غير القابلة للتصرف، فيما تنظر إليه قوى إقليمية كإيران و”حزب الله” على أنه تهديد مباشر لخطوط الإمداد والمواجهة. هذا التناقض بين الأطراف يجعل من جبل الشيخ أكثر من مجرد مرتفع جغرافي؛ إنه ورقة ضغط إقليمية تعكس تعقيدات الشرق الأوسط وتداخل ملفاته الأمنية والسياسية.
خرق “للسيادة” السورية
يقول الدكتور حسن مرهج، خبير في شؤون الشرق الأوسط وإسرائيل، لـ”963+”: إن “السيطرة الإسرائيلية على قمم جبل الشيخ تمثل نقطة عسكرية واستخباراتية استراتيجية بالغة الأهمية، إذ تمنح تل أبيب تفوقاً ميدانياً في رصد واستهداف تحركات في جنوب سوريا ولبنان وأجزاء من هضبة الجولان. هذا الموقع الجبلي المرتفع يمتلك مناظير طبيعية تبسط مجال الرصد عبر مساحات شاسعة، ويعزز قدرة إسرائيل على التحكم في المعلومات الاستخباراتية ومتابعة تحركات القوات والإمدادات التي قد تهدد أمنها”.
ويضيف: “هذه الأفضلية العسكرية تجعل من الجبل أشبه ببرج مراقبة طبيعي يغطي مساحات واسعة، وهو ما يفسر تمسك إسرائيل بالسيطرة عليه”.
ولا يقل البعد السياسي تعقيداً عن البعد العسكري. إذ يضيف مرهج: “من الناحية السياسية، تعكس السيطرة الإسرائيلية على جبل الشيخ خرقاً مباشراً لسيادة سوريا، حيث يعتبر الجبل جزءاً من الأراضي السورية بموجب القوانين الدولية. هذا واقع يضفي تعقيداً كبيراً على أي مفاوضات أو تسويات مستقبلية، إذ يشكل الجبل ورقة ضغط استراتيجية بيد إسرائيل، قد تغلق الباب أمام استعادة أي جزء من السيادة السورية على هذه المنطقة الحيوية. علاوة على ذلك، فإن الوجود الإسرائيلي المتحكم في هذه المرتفعات يعزز من موقع تل أبيب التفاوضي ويزيد من حساسية الملف السوري في المحافل الدولية”.
ويوضح الخبير في شؤون الشرق الأوسط أن “إسرائيل لا تكتفي بالتموضع العسكري، بل تجعل من الجبل ورقة سياسية تعزز نفوذها وتُضعف الطرف السوري في أي طاولة مفاوضات مقبلة”.
ويحذر مرهج من تداعيات وجود إسرائيل في هذا الموقع بالنسبة لإيران و”حزب الله” قائلاً: إن “السيطرة الإسرائيلية في هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي تمثل تهديداً مباشراً لخطوط الإمداد والدعم اللوجستي، ما يدفعهم إلى تبني مواقف أكثر تشدداً وربما التصعيد في ساحات أخرى لتعويض هذا النقص. هذا التوتر المستمر يرفع من خطر اندلاع نزاعات إقليمية أوسع، حيث يصبح الجبل نقطة احتكاك مباشرة بين محور المقاومة المحسوب على طهران وكيان الاحتلال. بهذا المعنى، يصبح الجبل نقطة تماس استراتيجية بين إسرائيل ومحور المقاومة، تزيد من احتمالية التصعيد العسكري في المنطقة”.
جبل الشيخ وخزان المياه
لكن الأهمية لا تتوقف عند الأمن والعسكر. الموارد المائية تضيف بعداً استراتيجياً آخر. وهنا يوضح مرهج أنه “فيما يتعلق بالموارد المائية، فإن السيطرة على جبل الشيخ تمنح إسرائيل قدرة غير مسبوقة على التحكم بموارد المياه الكامنة في المنطقة، التي تعتبر بالنسبة لسوريا والأردن موارد حيوية للديمومة البيئية والزراعية. هذا التحكم يأتي على حساب أمن مائي إقليمي دقيق، ويمثل تهديداً خطيراً يمكن أن يستخدم كورقة سياسية واستراتيجية في صراعات المياه المستقبلية، خاصة في ظل تدهور الموارد الطبيعية وتنامي الاحتياجات السكانية”.
ويضيف في سياق آخر: “التداعيات الإنسانية والبيئية على المجتمعات المحلية حول الجبل أيضاً كبيرة، فالحصار العسكري والصراعات المتكررة حول هذه المرتفعات تؤدي إلى تشريد السكان، وتدمير البنى التحتية، وحرمان اللبنانيين والسوريين من موارد طبيعية أساسية كالزراعة والمراعي، بجانب التأثير السلبي على التنوع البيئي في المنطقة الجبلية التي تعد موطناً لنباتات وحيوانات نادرة”.
وفيما يتعلق بآفاق الحل، يقترح مرهج تصوراً يقول فيه: “ضمانات أو ترتيبات دولية تسعى إلى انسحاب أو إدارة مشتركة للجبل تتطلب تأسيس إطار إقليمي ودولي متين، يراعي السيادة السورية والأردنية ويضمن حماية الموارد المائية. يمكن تصور آلية مراقبة دولية متعددة الأطراف، تضم أطرافاً محايدة ومنظمات إقليمية تراقب الاستخدام وتمنع تحويل السيطرة إلى أداة إقصائية أو استغلالية. مثل هذه الترتيبات يجب أن تستند إلى أحكام صارمة في اتفاقيات السلام، مع تعهدات ملزمة حول الإدارة المتكاملة للمياه واحترام السيادة الوطنية، لما فيه مصلحة الأمن والاستقرار في كامل منطقة الشرق الأوسط”.
ويختم مرهج حديثه بالقول: “السيطرة الإسرائيلية على قمم جبل الشيخ ليست مجرد امتلاك جغرافي، بل هي محور معقد يتداخل مع الاستراتيجية العسكرية والاستخباراتية، السيادة الوطنية، الأمن المائي الإقليمي، المناخ السياسي الإقليمي، والآثار الاجتماعية والبيئية على السكان المحليين، مما يجعلها قضية بالغة الحساسية وتتطلب مقاربة دبلوماسية شاملة ومتكاملة لضمان مستقبل مستقر يرتكز على العدالة والمصالح المشتركة”.
كذلك، يذهب أيمن الدسوقي، الباحث في مركز عمران للدراسات الإستراتيجية بدمشق، في الاتجاه ذاته مؤكداً أن “التقدم التكنولوجي في مجال الأسلحة والحرب الإلكترونية وتقنيات التجسس لم يقلل من أهمية الجغرافيا عسكرياً، ذلك ينطبق على جبل الشيخ الذي يعد من التلال الحاكمة إستراتيجياً لموقعه المشرف على دول الجوار، وارتفاعه الشاهق بما يمنح الجهة التي تسيطر عليه أفضلية لجهة إمكانية الدفاع المتقدم أو شن هجوم استباقي ضد الخصم، وبالتالي يد عليا في تشكيل المعادلة الأمنية وتثمير نتائجها على مختلف الأصعدة”.
ويقول لـ”963+”: إن “هنالك مخاوف جدية من السيطرة الإسرائيلية على جبل الشيخ وتقويض السيادة السورية، إذ يرتبط الأمر بالإقرار بالتفوق الإسرائيلي، وفرض هيمنته وقدرته على التحكم وإعادة تشكيل المعادلة الأمنية والإستراتيجية على المدى البعيد، لا سيما وأن جبل الشيخ لا يبعد سوى 40 كلم عن دمشق العاصمة السياسية لسورية، كما يعتبر خزاناً للمياه في وقت تعاني فيه دول المنطقة من شح المصادر المائية”.
ويرى أن السيطرة الإسرائيلية لها انعكاسات على قدرات إيران و”حزب الله”: “من شأن سيطرة إسرائيل على جبل الشيخ إضعاف قدرة حزب الله وإيران على استهدافها، مع اعتقادي بأن قدرة كلا الطرفين على أخذ زمام المبادرة في الجغرافية السورية قد تقوضت بسقوط نظام الأسد، وما تعرضا له من ضربات مركزة ونوعية خلال الفترة الماضية”.
ويعتبر جبل الشيخ خزاناً طبيعياً للمياه المتجددة إذ يوفر بحسب إحصائيات حوالي 1.5 مليار متر مكعب من المياه، كما تعتمد إسرائيل بثلث مواردها على الجبل، فضلاً عن اعتماد عدة أنهار تمر في دول سوريا والأردن ولبنان على ينابيع جبل الشيخ، هذا في وقت تعاني فيه سوريا من عجز مالي يقدر بحوالي 3 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، بما يعزز من الاستقرار المائي لإسرائيل بمقابل تقويضه في سوريا، مع إمكانية استخدام موارد جبل الشيخ كورقة اقتصادية وتفاوضية، بحسب الدسوقي.
كما يحذر من الضغط على المجتمعات المحلية قائلاً: إن “سيطرة إسرائيل على جبل الشيخ وتحكمها بالمعادلة الأمنية والمائية سيزيد من الضغوط على المجتمعات المحلية، تلك التي ستجد نفسها أمام ضغوط أكثر للبقاء لجهة الحفاظ على أمنها أو مصادر استمراريتها وعيشها”.
ويختم حديثه بتشخيص لموقف إسرائيل: “لا أعتقد أن الإسرائيلي في وارد الانسحاب من جبل الشيخ في ظل ما يشعر من فائض قوة وغطاء أمريكي إلى جانب حداثة محدودية قدرات العهد الجديد في سورية وضعف الثقة به من قبل الإسرائيلي، ومع ذلك هنالك فرص للتوصل إلى صيغة ما إقليمية ودولية للتعامل مع هذا الوضع، وما يستلزمه ذلك من جهود تفاوضية للوصول إلى صيغة ممكن قبولها وتنفيذها”.










