غالباً ما تعيد المجتمعات الخارجة من حروب وانهيارات سلطوية تشكيل خطابها السياسي عبر أدوات الإقصاء، وفي سوريا اليوم، تتجسد هذه الظاهرة في ما يمكن تسميته “الإقصاء المؤدلج”؛ أي بناء سرديات ممنهجة تهدف إلى تجريد التيارات العلمانية والليبرالية والفكر الثقافي النقدي من الشرعية، وتصويرها كأجسام دخيلة على هوية المجتمع السوري؛ أو كأدوات تهدف إلى التشويش والتخريب على المرحلة الانتقالية. بهذا المعنى، يكون الصراع حول الحق في الوجود داخل الحقل السياسي–الثقافي في سوريا.
وفي حقيقة الأمر فإن المسألة في سوريا لم تعد مرتبطة بالانقسام التقليدي بين التدين والعلمانية أو بين المحافظة والليبرالية، فما يجري اليوم أن هناك تحويل مقصود لمفردة التكفير من معناها الفقهي إلى آلية سياسية–ثقافية تستهدف كل من يخرج عن النسق القيمي الذي تفرضه السلطة القائمة.
هذه الآلية تصنع نظاماً كاملاً لإقصاء المثقفين والفاعلين المدنيين من المجال العام عبر فتح احتمالية اتهامهم بالخيانة أو العداء للقيم. ولعل هذه الظاهرة لا تتعلق فقط بالتصنيف الديني التقليدي الذي يوصم المختلف بأنه “كافر”، وإنما تمتد لتشمل آلية سياسية–اجتماعية لتجريد الخصم من الشرعية عبر استخدام لغة دينية–أخلاقية ضد كل ما هو مختلف.
التكفير أو العزل هنا يعمل كأداة نفي وإقصاء ممنهجة، تهدف إلى إعادة هندسة المجال العام السوري على صورة معينة تؤطرها السلطة الانتقالية، وحصر الشرعية في حدود سرديتها الخاصة.
التاريخ السياسي يوضح أن خطاب نزع الشرعية أو التكفير لم يكن يوماً مجرد أداة أخلاقية، بل تحوّل في تجارب عديدة إلى وسيلة لإقصاء الخصوم وإعادة تعريف الهوية السياسية للجماعة. وهو يأتي في سياقنا كوسيلة سياسية لحرمان الخصم من أي شرعية، حيث يتم وضع المثقف أو المفكر المختلف في خانة “الخارج عن الجماعة” لتبرير استبعاده من دوائر التأثير. بهذه الطريقة تتحول الحرية الفكرية إلى تهمة، ومعارضة السلطة أو الاختلاف معها كخطر على المجتمع.
هذا النمط من الإقصاء لا ينبع من فراغ، وإنما يعتمد على تحويل المجتمع إلى فضاء مغلق تُحكمه ثنائية الولاء أو العداء. هنا نجد تطبيقاً عملياً لما وصفه أنطونيو غرامشي بـ”الهيمنة الثقافية”، حيث تفرض السلطة روايتها للهوية الوطنية باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة، وتقصي كل ما عداها باعتباره شذوذاً أو خطراً.
الفن والثقافة قد يكونا من أكثر الساحات عرضة للإقصاء المؤدلج، فالمثال الأوضح المتمثل مؤخراً بمنع النحت الأكاديمي لجسد الإنسان في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، كان نموذجاً أولياً لإعادة ترسيم حدود المشروع الثقافي وفق معايير أيديولوجية ضيقة. بورديو يصف هذا النوع من السيطرة بأنه “عنف رمزي”، أي استخدام القوة الناعمة لفرض تصور محدد للجمال والشرعية، وتحويل أي تعبير خارج النسق إلى جرم ثقافي. بهذا، تتحول المؤسسات الفنية والثقافية إلى أدوات ضبط، بدل أن تكون فضاءات إبداع وتعدد.
لكن الإقصاء المؤدلج يمكن أن يخلق مناخاً خانقاً يتجاوز الرقابة المباشرة، فبعض المثقفين قد يخشون الوصم بالخيانة أو الارتداد عن القيم، وقد يفضلون لاحقاً الصمت على النقد. بهذا الشكل، تتحقق ما يسميه يورغن هابرماس “أزمة المجال العام”، حيث يتآكل الحوار العقلاني المفتوح، ويُستبدل بخطاب واحد مهيمن يكرر ذاته بلا منافسة. كذلك فإن الخطر الأعمق هو إنتاج مجتمع هشّ عاجز عن إدارة الاختلاف، ما يترك الباب مفتوحاً أمام العنف المادي حين تفشل أدوات العنف الرمزي في ضبط الأصوات.
ما يجري في سوريا لا يقتصر على صراع بين رؤى فكرية متباينة، إنما هو بناء سياسي ممنهج لصورة “العدو الداخلي”، فبدلاً من مواجهة أسئلة الاقتصاد وتحسين المعيشة والسياسة الداخلية والعدالة الانتقالية، يُعاد توجيه الصراع نحو المثقف أو المفكر أو صاحب الرأي المستقل، بهذا المعنى يكون تكفير الحداثة جزء من هندسة أمنية لإبقاء المجتمع في حالة تعبئة ضد “خطر داخلي”.
هذا يعيد أيضاً تعريف الوطنية على نحوٍ ضيق، ليكون الوطني هو من يكرر خطاب السلطة، أما من يطالب بفصل الدين عن السياسة مثلاً، فيُعاد تصنيفه كخارجٍ عن الأمة. هذا يقود إلى أزمة هوية وطنية، حيث تتراجع المواطنة كمفهوم جامع وتحل محلها هوية إقصائية تقاس بالولاء الأيديولوجي؛ وهنا يكمن خطر تفكك النسيج الوطني نفسه.
بعد سقوط النظام السابق، كان من المتوقع أن تنفتح الساحة السورية أمام أشكال من التعددية، لكن بدلاً من ذلك وجدت السلطة الانتقالية نفسها أمام مأزق الشرعية الانتخابية والشعبية، فاستعارت منطق الإقصاء المؤدلج كأداة للسيطرة. هذا أعاد إنتاج المعادلة القديمة التي عاشتها سوريا لعقود، من سلطة تدّعي أنها حامية “القيم” فيما هي تمارس احتكاراً شاملاً للحقيقة السياسية والثقافية. والنتيجة أن التيارات الليبرالية والعلمانية أُخرجت من المعادلة عبر نزع الشرعية عنها وتحويلها إلى “آخر” لا مكان له في مشروع الدولة الجديدة.
حتى لو لم يتحول تكفير الحداثة إلى عنف جسدي مباشر في كل الحالات، فإنه يترك العنف كاحتمال مفتوح دائماً. مجرد توصيف المختلف كعدو للقيم يضعه في دائرة الخطر، ويمنح الأفراد المتشددين مبرراً لممارسة العنف ضده بكافة أشكاله، وهنا يتداخل الترهيب الرمزي مع إمكانية العنف المادي، ليشكلا معاً بيئة خانقة لأي فعل ثقافي أو مدني.
ظاهرة الإقصاء المؤدلج ليست حكراً على سوريا بالعموم، فإيران بعد 1979 مارست الشيء ذاته ضد اليسار والعلمانيين تحت شعار “حماية الثورة”، وتمّت إعادة تعريف الخصم السياسي ليس عبر انتمائه الحزبي أو مواقفه، بل عبر وصمه بأنه عدو للقيم والأمة. في إيران، استُخدم خطاب “الاستكبار الثقافي” لتجريم المثقفين والفنانين وكل من تجرأ على نقد البنية الدينية الجديدة. هذا الخطاب ساهم في إقصاء جيل كامل من المفكرين والفنانين، وأسس لنظام ثقافي مغلق يقوم على الولاء وليس على الإبداع.
بالعموم فإن إن الإقصاء المؤدلج هو الوجه الحقيقي لسلطة ترفض الاعتراف بالاختلاف، فهو ليس مجرد معركة على الأفكار، بل على الوجود ذاته. فحين يُختزل الوطن في خطاب واحد، وتُستبعد التيارات الفكرية الأخرى باعتبارها “لا تنتمي”، فإننا أمام عملية خطيرة تعيد إنتاج الاستبداد بلغة جديدة.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










