في زمنٍ أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد بالإمكان تجاهل تأثيرها المتنامي على سلوكيات الأفراد والمجتمعات. وفي سوريا، حيث يعيش الشباب تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، تحولت المنصات الرقمية إلى نافذة أساسية للترفيه والمعلومات، وحتى للتعليم.
لكن الحضور الكثيف لصنّاع المحتوى أو ما يُعرف بـ”البلوغرز”، يثير تساؤلات جوهرية: هل أصبحوا بديلاً عن الخبراء والأكاديميين والأطباء؟ أم أن شهرتهم السريعة تحمل في طياتها خطراً على وعي الناس وصحتهم وسلوكياتهم؟
وقد ازداد الجدل مؤخراً بعد معرض “سكريبت” في حلب، الذي جمع عدداً كبيراً من المؤثرين السوريين. فالمعرض، الذي كان يُفترض أن يكون مساحة للتجديد والإبداع، قوبل باستياء شريحة واسعة من الجمهور السوري. ويرى كثيرون أن السبب هو تسليط الضوء المبالغ فيه على نجوم السوشال ميديا على حساب أصحاب الخبرة والشهادات الأكاديمية، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول مكانة البلوغرز في المجتمع وحدود تأثيرهم.
اقرأ أيضاً: الحياة على الأرض.. بين الدمار والحلول أين يقف البشر؟ – 963+
الصحفي يختلف عن صانع المحتوى
يقول الدكتور أحمد علي شعراوي، أستاذ الإعلام في جامعة دمشق، لـ”963+”: “هناك فرق واضح بين صانع المحتوى المؤثر وبين الصحفي الحقيقي. فالمؤثر يسعى بالدرجة الأولى للوصول إلى أكبر عدد من المتابعين عبر محتوى استهلاكي أو ترفيهي، حتى لو ابتعد عن أخلاقيات المهنة وقضايا المجتمع، في حين أن الصحفي الملتزم ينقل المعلومة بدقة، ويثقف الجمهور، ويكون جزءاً من هموم الناس”.
ويضيف شعراوي أن كثيراً من المؤثرين يفتقرون إلى المصداقية لأنهم يلاحقون المشاهدات والإعجابات فقط، بينما الصحافة قبل كل شيء مسؤولية اجتماعية.
وعن لجوء بعض وسائل الإعلام إلى البلوغرز بدلاً من الإعلاميين، أوضح شعراوي أن المؤثرين يفتقرون إلى الأدوات المهنية ولا يمكنهم أن يحلوا مكان الصحفيين المؤهلين، معتبراً أن ما يجري اليوم هو فوضى فرضها ضغط السوشال ميديا على الإعلام التقليدي.
وحذر من خطورة الاعتماد عليهم في نقل المعلومات قائلاً: “حين يسود محتوى السخافة والفضائح على حساب الموضوعات الجادة، تتراجع الصحافة الملتزمة ويغرق الجمهور بمواد استهلاكية لا تخدم المجتمع”.
بين الوعي والمنافسة غير العادلة
من جهته، يوضح الطبيب السوري لؤي النموس لـ”963+” أن عدداً من المرضى يصلون إلى العيادات محمّلين بمعلومات مغلوطة استقوها من مؤثرين على “إنستغرام” أو “تيك توك”، ما ينعكس سلباً على صحتهم، ويؤدي غالباً إلى تأخر التشخيص والعلاج.
ويبين أن التوعية المضادة بدأت تعطي نتائج ملموسة: “لم ترتفع هذه الحالات بشكل كبير، بل بدأ تأثير التوعية يظهر إيجابياً. نحاول نشر الوعي عبر العيادات والمستشفيات والإعلام المرئي لتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الناس”.
ويعتبر النموس أن المشكلة تكمن في “المنافسة غير العادلة” من أشخاص لا يملكون مؤهلات طبية، مؤكداً أن بعض صناع المحتوى يتواصلون مع الأطباء قبل نشر المعلومات، لكن الغالبية تنقل ما تجده على الإنترنت دون مراجعة.
ويختم قائلاً: “المطلوب من وزارة الصحة متابعة هؤلاء الأشخاص ومحاسبتهم عند نشر معلومات مغلوطة. فالطب مهنة إنسانية وليست تجارة، والمؤثرون لم يصبحوا مؤثرين إلا بسبب ضعف وعي الناس. لذا يجب تصنيفهم عبر لجنة مختصة تضمن قدرتهم على نشر محتوى صحيح ومفيد”.
هوس المظهر وخطر الصيحات
في مجال التجميل، يحذر الدكتور عمر شعبان في حديثه لـ”963+” من انتشار هوس المظهر نتيجة الترويج غير المهني: “الكثير من المرضى يأتون حاملين صور لبلوغر ويطلبون الحصول على نفس الشكل، وهذا خطأ طبي. لكل وجه خصوصيته التشريحية، وما يناسب شخصاً قد لا يناسب آخر. للأسف، بعض الصيحات مثل إبر النضارة (البروفايلو، الياقوت، الملكة) يتم الترويج لها عبر المؤثرين بشكل غير علمي، وهي ليست آمنة إلا على يد اختصاصيين”.
ويضيف: “رصدنا حالات تشوه بسبب اتباع نصائح مغلوطة مصدرها مؤثرون. لذلك أنصح أي شخص قبل الخضوع لإجراء تجميلي أن يستشير طبيباً مختصاً. كما يجب على وزارة الصحة والنقابات تفعيل الرقابة على المروجين غير المؤهلين، ومنع التلاعب بصحة الناس لأجل الشهرة أو الربح”.
اقرأ أيضاً: بحجة تسارع دوران الأرض.. حراس الزمن يسرقون ثانية من عمرنا – 963+
القدوة الجديدة للمراهقين
تؤكد مدربة التأهيل الاجتماعي سوسن سلماوي لـ”963+” أن تأثير صناع المحتوى تجاوز حدود الترفيه ليصل إلى تشكيل سلوكيات الشباب اليومية: “المراهق يقلد البلوغرز ليس لأنهم الأفضل، بل لأنهم الأقرب إليه، وهذا ينعكس مباشرة على سلوكه”.
وتوضح أن متابعة هؤلاء قد تغيّر أولويات الشباب بشكل خطير: “حين يشاهد المراهق بلوغراً مشهوراً يحقق النجاح بلا شهادة أو جهد أكاديمي، يبدأ بالتساؤل: لماذا أدرس؟ لماذا أتعلم مهارة؟ وهنا تتحول الأولويات من التطور الحقيقي إلى البحث عن الشهرة فقط”.
وترى سلماوي أن الأسرة والمدرسة لهما دور أساسي في موازنة هذا التأثير، مشددة على أن الأسرة يجب أن تكون صديقة قبل أن تكون سلطة، والمدرسة عليها أن تدخل عالم الطالب الرقمي لتعلمه التفكير النقدي.
كما تقترح إشراك البلوغرز أنفسهم في ورش تدريبية وأطر تنظيمية، حتى يتم توجيههم ليكونوا قوة إيجابية عبر التدريب الإعلامي والأخلاقي، ومشاركتهم في ندوات مع مؤسسات تربوية واجتماعية.
التسويق: البلوغر شريك لا بديل
أما قطاع الأعمال فيتعامل مع البلوغرز بواقعية. ويوضح عمار سليم، مشرف الترويج في شركة “لو ماريو” التجارية، لـ”963+” أن الاعتماد عليهم ينسجم مع طبيعة المنصات الرقمية.
ويشير إلى أن نتائج الحملات الدعائية عبرهم غالباً ممتازة، إذ تضاعف ثقة الجمهور بالمنتج عندما يروج له شخص يتابعونه باستمرار ويشاركهم تجربة واقعية. لكنه يلفت إلى أن الاعتماد عليهم يبقى مكملاً لا أساسياً، حيث تحرص الشركات على تقديم محتوى تثقيفي دوري، مثل نشر فوائد بعض المنتجات الغذائية، لضمان بقاء الثقة مبنية على المعرفة لا الشهرة فقط.
ويختصر السلبيات بالقول: “الخطأ يكمن حين يُختار المؤثر بناءً على عدد المتابعين فقط، ما قد يؤدي إلى جذب مستهلكين مؤقتين لا يتحولون إلى عملاء دائمين. لذلك نسعى دائماً للتعاون مع المؤثر الصادق، الذي يدرس ما يقدمه قبل نشره”.
أصوات الشباب: بين الإلهام والخيبة
تقول بلقيس رمضان، خريجة اقتصاد ومصممة غرافيك، إن متابعة بعض البلوغرز الواعين مثل أحمد الشقيري ساعدتها في حياتها اليومية، إذ يجمع أسلوبه بين البساطة والعمق، ويعتمد على التجربة الشخصية والبحث العلمي. لكنها في الوقت نفسه تشعر بالقلق من تفضيل الشهرة على الشهادات الأكاديمية، معتبرة أن المسألة تعتمد على شخصية المؤثر نفسه، فهناك من يقدم محتوى موثوقاً وهادفاً، وآخرون يلاحقون الشهرة فقط.
أما أسامة إسماعيل، خريج الإعلام، فيرى الصورة من زاوية أخرى: “أنا شخصياً لا أتابع بلوغرز للترفيه، بل أتابع محتوى تقنياً أو سياسياً. بالنسبة لي، التأثير لا يرتبط بالشهادات بقدر ما يرتبط بالوعي والثقافة. صحيح أن الشهادات في بلدنا غالباً نظرية، لكني أستفيد من مقارنة ما يقوله صانع المحتوى مع تجاربي الشخصية”.
ويعتبر أسامة في حديث لـ”963+” أن منح الشركات فرصاً للبلوغرز أمر طبيعي لأن السوق يبحث عن التأثير والانتشار، لكنه يعترف في الوقت نفسه أن الكثير منهم يبالغ سعياً وراء الشهرة، ما يفقد محتواهم المصداقية.
صوت صانع المحتوى: المسؤولية أولاً
يكشف صانع المحتوى السوري محمد ماجيك لـ”963+” عن نظرته لدور المؤثرين اليوم، مؤكداً أن الشهرة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة يسعى من خلالها إلى دعم من يستحقون.
ويشدد على أنه يرفض الترويج لأي منتج إلا بعد التأكد من فعاليته، ويلتزم بضوابط أخلاقية مثل عدم عرض ما يخالف الأعراف أو يشوه القيم.
ويبين أن صناعة المحتوى أصبحت اليوم أكثر تأثيراً من الممثل أو الإعلام التقليدي، لارتباطها المباشر بالناس، خاصة في بلد أنهكته الحرب.
ويرى أن الانتقاد أمر طبيعي يتعرض له كل مؤثر، لكنه لا يصبح مؤذياً إلا إذا تخلى صانع المحتوى عن مسؤوليته. أما التحدي الأكبر في رأيه فهو التنمر والضغط النفسي، خصوصاً على المؤثرين الجدد.
ويختم ماجيك حديثه قائلاً: “المؤثرون اليوم يتحملون مسؤولية كبيرة في المساهمة بإعمار سوريا، ويجب عليهم تقديم أفكار توعي الناس بالمخاطر وتساهم في بناء وعي إيجابي. كما يتوجب عليهم المطالبة بإجراءات تنظم مهنتهم بشكل رسمي ليحدثوا تأثيراً إيجابياً مستداماً”.










