تعيش سوريا اليوم واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية في تاريخها الحديث، وهي نتيجة مباشرة لسنوات الحرب الطويلة وما خلفته من دمار وانهيار في البنية التحتية، هذا الواقع انعكس بوضوح على سوق العمل، حيث ارتفعت معدلات البطالة بشكل لافت، خاصة بين فئة الشباب، في وقت تراجعت فيه قدرة القطاعات التقليدية على استيعاب اليد العاملة الجديدة.
أمام هذا الواقع، بدأ جيل جديد من السوريين بالبحث عن بدائل عملية، بعيداً عن المسارات الوظيفية الكلاسيكية، فظهرت مشاريع صغيرة ومبادرات فردية تعكس توجهاً نحو ريادة الأعمال، حيث بات الشغف والابتكار أدوات أساسية لتحويل الأفكار إلى فرص، رغم محدودية الإمكانات والموارد.
التكنولوجيا والإنترنت قدما منفذاً مهماً أمام الشباب، إذ وجد البعض في مجالات مثل البرمجة، التصميم، التسويق الرقمي، والتجارة الإلكترونية فرصة لتخطي الحواجز الجغرافية والاقتصادية، هذه التجارب الناشئة سمحت بتحويل المهارات الفردية إلى مصدر دخل حقيقي، وأعطت بعدا جديدا لسوق العمل المحلي.
ورغم أن هذه المشاريع تواجه صعوبات متزايدة، من ضعف التمويل وغياب البنية التحتية الملائمة، إلى القيود الإدارية والظروف المعيشية، إلا أنها تكشف عن حيوية لافتة لدى الشباب، فريادة الأعمال، وإن لم تكن حلاً سحريا للأزمة الاقتصادية، باتت تمثل نافذة أمل تعكس قدرة هذا الجيل على التكيف والإبداع في مواجهة الظروف القاسية
اقرأ أيضاً: مليارات الدولارات في مهب الشك.. استثمارات وهمية أم فساد منظّم في سوريا؟ – 963+
الشباب السوري وريادة الأعمال.. جيل جديد يصنع الفرص
يقول الدكتور حسين العُمَري أستاذ الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون بكاليفورنيا، في حديثه لـ”963+” أن تجربة الشباب السوري في ريادة الأعمال الرقمية تعد واحدة من أكثر التجارب إلهاماً في المنطقة، فرغم سنوات الحرب وما خلفته من تحديات مثل تراجع البنية التحتية، غياب الاستقرار، وصعوبة الحصول على التمويل، استطاع هذا الجيل تحويل التحديات إلى فرص، متجهاً نحو العالم الرقمي لاستثمار مهاراته وموارده المحدودة لبناء مشاريع رقمية صغيرة، بعضها تحول لاحقاً إلى شركات ناشئة ناجحة، ما يعكس مرونة وقدرة عالية على الصمود.
ويشير العُمَري إلى أن أبرز إنجازات الشباب السوري تمثلت في الانفتاح على سوق العمل العالمي عبر الإنترنت، والتفوق في مجالات مثل البرمجة، تطوير التطبيقات، التصميم الغرافيكي، التسويق الرقمي، إدارة المحتوى، والتعليم الإلكتروني، وقد أصبح كثير منهم مزودين خدمات عبر منصات عالمية مثل “Upwork” و””Fiverr، أو أطلقوا متاجر إلكترونية خاصة بهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما نجحت بعض المشاريع الناشئة في مجالات التعليم الرقمي والخدمات الإلكترونية والتجارة عبر الإنترنت، ما ساعد على تغيير الصورة النمطية للشباب السوري من ضحايا حرب إلى فاعلين اقتصاديين ورياديين.
ويؤكد العُمَري أن الشباب السوري أثبت حضوراً ملموساً في الأسواق العالمية، سواء في أوروبا أو أميركا، من خلال عملهم في شركات تقنية كبرى أو تأسيس شركات ناشئة في مجالات البرمجيات والتجارة الإلكترونية وحلول الذكاء الاصطناعي، ما يعكس كفاءة رأس المال البشري السوري وقدرته على المنافسة في بيئات عالية التخصص، إضافة إلى أن الخبرات المكتسبة داخلياً صارت أرضية صلبة للتفوق عند توفر بيئات عمل داعمة وموارد أوسع.
ويختتم بالقول إن التجربة الريادية السورية تتميز بالمثابرة والإصرار والقدرة على ابتكار حلول منخفضة التكلفة لكنها ذات أثر كبير، ما يجعلها نموذجا يحتذى في تحويل الأزمات إلى فرص.
ويشير إلى أن قصص النجاح الفردية يمكن تحويلها إلى حافز جماعي لبناء اقتصاد أكثر مرونة، من خلال الإعلام، والدعم المؤسسي، والتمويل، وربط رواد الأعمال السوريين بشبكات عالمية، ما يحول النجاحات الفردية إلى رافعة اقتصادية جماعية قائمة على المبادرة والابتكار.
اقرأ أيضاً: الموازنة العامة السورية بين أرقام الماضي وأحلام المستقبل – 963+
التمويل والبيئة القانونية أبرز تحديات الشباب السوري
يعتبر البروفيسور فراس الموصللي، الشريك الإداري في Lloyd & Mousilli بسان فرانسيسكو، في حديث لـ”963+” أن توجه الشباب السوري نحو ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة يمثل خياراً طبيعياً في ظل الأزمة الاقتصادية التي خلفتها سنوات الحرب، مؤكداً أن هذا المسار بات بالنسبة للكثيرين بديلاً عن غياب الوظائف التقليدية.
ويشير الموصللي إلى أن هناك ثغرات واضحة تحد من قدرة الشباب على تطوير مشاريعهم وتحويلها إلى شركات ناشئة، أبرزها غياب البيئة القانونية والمؤسساتية وضعف الدعم المؤطر للمبادرات الفردية.
وحول صعوبة الوصول إلى التمويل داخل سوريا، يوضح أن الحل يكمن في ربط هذه المشاريع بمصادر تمويل أو شراكات خارجية، وهو ما يمنحها فرصة للاستمرار والتطور.
ويضيف أن التجارب المستفادة من بيئات استثمارية ناضجة مثل سان فرانسيسكو يمكن أن تقدم للشباب السوري نماذج عملية في كيفية بناء مشاريع أكثر مرونة واستدامة.
ويختم الموصللي بالتأكيد على أن السوريين في المهجر قادرون على لعب دور مهم في دعم ريادة الأعمال بالداخل، من خلال خبراتهم وشبكات علاقاتهم، بما يسهم في توفير جسور عملية بين التجارب الفردية المحلية والأسواق العالمية.










