تطرح الغارات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع عسكرية في حمص واللاذقية، وسط وشمال غربي سوريا، أكثر من علامة استفهام حول الرسائل التي تحملها في هذا التوقيت، خصوصاً أنها جاءت بالتزامن مع تحركات ديبلوماسية تجري بين دمشق وتل أبيب بوساطة أميركية في باريس.
ويرى محللون أن تل أبيب تحاول المزاوجة بين الضغط العسكري المباشر على الأرض وبين مسار تفاوضي لم يتضح بعد، إن كان سيؤدي إلى تفاهمات راسخة، أم أنه مجرد مرحلة جديدة من سياسة “العصا والجزرة” الإسرائيلية تجاه سوريا. فهل تمثل هذه الضربات تمهيداً لتفاهمات مفروضة بالقوة أم أنها محاولة لفرض وقائع ميدانية قبل أي اتفاق؟
اقرأ أيضاً: إسرائيل تكشف أهداف غاراتها الجوية في سوريا – 963+
وكان قد أفاد مراسل “963+” أمس الاثنين بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شن ليل الاثنين سلسلة غارات على مواقع عسكرية في محافظتي حمص واللاذقية، حيث استهدف موقعاً في بلدة شنشار جنوب حمص، وكتيبة دفاع جوي في منطقة الأوراس، إضافة إلى ثكنة عسكرية في بلدة سقوبين شمال اللاذقية. وأدت الضربات إلى وقوع انفجارات في المواقع المستهدفة، من دون تأكيد وقوع ضحايا.
صواريخ تركية ورسائل قوة
مصدر أمني إسرائيلي صرّح لقناة “الحدث” أن الغارات استهدفت مستودعات صواريخ ومعدات دفاع جوي تركية الصنع نُقلت مؤخراً إلى حمص.
وأضاف أن “إسرائيل تجري محادثات مع السلطات السورية بشأن ترتيبات أمنية، لكن ما لا تفهمه إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع بالمفاوضات ستفهمه بالقوة”.
وأوضح أن دمشق تحاول المراوغة تحت ضغوط خارجية، بينما تتهم تل أبيب أنقرة بمحاولة “التحرش وجر إسرائيل إلى مواجهة عسكرية”.
المصدر شدد على أن تل أبيب ماضية في مطلبها المتعلق بـ”نزع السلاح من الجنوب السوري”، مؤكداً أن “الوضع الداخلي الهش في سوريا يشكل تهديداً محتملاً لأمن إسرائيل، الأمر الذي يبرر استمرار توجيه الضربات الاستباقية”.
وزارة الخارجية السورية أدانت الهجمات عبر بيان رسمي، ووصفتها بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، داعية مجلس الأمن إلى اتخاذ موقف “واضح وحازم” يوقف ما وصفته بـ”الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة”.
وأكدت دمشق أن هذه الاعتداءات تهدد أمن واستقرار المنطقة وتعرقل جهود إعادة الإعمار في البلاد.
وتتزامن الغارات مع حديث هيئة البث الإسرائيلية عن لقاء جديد هذا الأسبوع في باريس بين ديرمر والشيباني، استكمالاً لجولات سابقة هدفت إلى خفض التصعيد في الجنوب السوري وإحياء اتفاقيات فض الاشتباك.
اقرأ أيضاً: الخارجية السورية تدعو مجلس الأمن لاتخاذ موقف إزاء الهجمات الإسرائيلية – 963+
تقاطع المفاوضات مع التصعيد
المحلل السياسي السوري صدر الدين اليافي، المقيم في ألمانيا، يعتبر في تصريحات لـ“963+” أن الضربات مرتبطة بالضغوط على الحكومة السورية قبيل الاجتماع المرتقب في باريس بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الإسرائيلي رون ديرمر.
ويوضح أن اللقاءات بين الرئيس الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما تبعها من نقاشات حول رفع العقوبات ودعم إعادة الاستقرار، “أثارت قلق إسرائيل من فقدان وظيفتها التقليدية القائمة على إبقاء المنطقة في حالة توتر”.
ويشير اليافي إلى أن استهداف معدات تركية “يندرج ضمن قلق إسرائيلي متزايد من النفوذ التركي في سوريا”، معتبراً أن “الهدف الأول لإسرائيل هو فرض اتفاقية أمنية بشروطها الخاصة، وهو ما لن يتحقق”.
ويختم المحلل السياسي بالقول إن الكلمة المرتقبة للرئيس الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ستتمحور حول مطالبة المجتمع الدولي بوقف “الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة” ودعم إعادة إعمار سوريا.
الغارات في سياق التفاوض
بالتوازي، كشفت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” أن لقاءات جرت في باريس بين وفدين سوري وإسرائيلي بوساطة أميركية، تركزت على خفض التصعيد وتفعيل اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.
مصادر حكومية سورية أوضحت أن الاجتماع ناقش أيضاً الأوضاع الإنسانية في الجنوب السوري وسبل دعم الاستقرار في السويداء، مع تأكيد الطرفين على وحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تقسيم.
اقرأ أيضاً: “سانا”: الشيباني التقى في باريس وفداً إسرائيلياً – 963+
فرض شروط أحادية
من جانبه، يعتبر اللواء محمد عبد الواحد، مستشار الأمن الإقليمي في القاهرة، في تصريحات لـ”963+” أن “الغارات الإسرائيلية تمثل محاولة لفرض شروط مسبقة على المفاوضات”.
ويوضح أن “نجاح أي تسوية يتطلب توازناً في المصالح يضمن مبدأ الربح المتبادل، بينما تسعى إسرائيل لفرض معادلة سلام بالقوة”.
ويضيف عبد الواحد أن “هذه الاعتداءات تضعف موقف الحكومة السورية أمام شعبها وتمنح انطباعاً بأنها تخضع لضغوط خارجية، ما يضعف شرعيتها”.










