تشهد الساحة الكردية في تركيا وسوريا تفاعلات مرتبطة بعوامل إقليمية ودولية، الأمر الذي يجعل هذا الملف من أبرز القضايا المطروحة حالياً. ولم يعد الموضوع مقتصراً على المطالب المحلية للأكراد، بل بات محوراً تتقاطع فيه مصالح قوى كبرى وإقليمية، ما ينعكس على الوضع الداخلي في تركيا، وعلى النقاشات والمشاورات الجارية بين الأطراف الكردية في سوريا، ولا سيما قوات سوريا الديموقراطية، مع الجانب التركي في إطار مسارات تفاوضية متعددة.
وتظهر هذه التفاعلات طبيعة العلاقة المعقدة بين تركيا والأكراد، كما تعكس تشابك الحسابات المرتبطة بالأمن القومي التركي ومطالب الأكراد بالتمثيل، إضافة إلى أولويات الأطراف الدولية المعنية بإعادة ترتيب أوضاع المنطقة. وبينما تمثل هذه التطورات عامل ضغط يحمل احتمالات نشوء أزمات جديدة، فإنها في الوقت نفسه تفتح المجال أمام إمكانية صياغة توازنات مختلفة إذا ما تم التوصل إلى تفاهمات بين الأطراف.
ويمتد أثر هذا الملف إلى ما هو أبعد من المستوى المحلي، إذ يرتبط بإمكانية بلورة مسارات جديدة في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وإعادة تحديد الأدوار ومفاهيم النفوذ وفق معادلات مختلفة.
اقرأ أيضاً: ما مصير اتفاق 10 مارس بين قسد والحكومة بعد مؤتمر الحسكة؟ – 963+
مناخ سياسي
في هذا السياق، يقول عبد السلام أحمد، ممثّل الإدارة الذاتية في لبنان، في حديثه لـ”963+”، إن “حزب الشعوب والمساواة الديموقراطي (DEM Parti)، الذي يمثّل شريحة واسعة من الأكراد داخل تركيا، لا يقوم بدور رسمي أو معلن كوسيط بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) وأنقرة”.
ومع ذلك، يلفت أحمد الانتباه إلى أن “الحزب يطرح دوماً خطاباً عاماً يدعو إلى حل سلمي للمسألة الكردية في تركيا والمنطقة، الأمر الذي يهيّئ مناخاً سياسياً داخلياً قد ينعكس بشكل غير مباشر على علاقة أنقرة بقسد”.
لكنه، يشير إلى أن الحزب “ليس طرفاً تفاوضياً مباشراً، بل أقرب إلى جسر اجتماعي ـ سياسي غير رسمي، يربط المزاج الكردي في تركيا بما يجري في شمال سوريا”.
ويضيف: “الدولة التركية تعتبر الحزب “واجهة سياسية” للـ PKK، ما يجعل من الصعب أن تسمح له بلعب دور وساطة معلن. بل إن أي تحرّك علني للحزب باتجاه قسد قد يزيد الضغوط القانونية عليه داخل تركيا”.
ويرى أن “حزب الشعوب (DEM) نظرياً الأقرب إلى قسد، ما يجعله مؤهلاً كوسيط، لكن عملياً ترفضه أنقرة وتعدّه امتداداً للـPKK، ما يجعل أي وساطة رسمية غير واقعية حالياً”.
ويضيف: “مع ذلك قد يبرز دوره مستقبلاً كقناة خلفية إذا دفعت الضغوط الإقليمية أو الدولية تركيا نحو التهدئة مع أكراد سوريا لتمرير تسوية أو تسهيل عودة اللاجئين”.
ويتابع أحمد: “في هذا السيناريو يُستخدم الحزب قناة غير معلنة عبر شخصيات مقربة، إذ إن الاعتراف المباشر به يُعد داخليًا بمثابة إقرار بشرعية الـPKK، وهو خط أحمر لمعظم القوى التركية”.
اقرأ أيضاً: توماس باراك: مباحثات متواصلة بين الجنرال عبدي وهاكان فيدان ومسؤولين أتراك – 963+
دور محدود
بينما يعتقد الكاتب والسياسي السوري محمد أرسلان أن حزب المساواة والشعوب الديموقراطية في تركيا لعب دوراً محدوداً في الوساطة بين أنقرة وقسد.
ويوضح أرسلان في حديثه لـ”963+” أنه “في البداية فقط، وتحديداً مع إعلان مرحلة السلام من قبل عبد الله أوجلان، قام الحزب بنقل رسائل منه إلى عدد من الأطراف، من بينها قوات سوريا الديمقراطية، وحزب العمال الكردستاني، وآخرين”.
غير أن دور الحزب، بحسب أرسلان، “توقف عند تلك المرحلة، إذ لم يعد له أي دور وساطة فعلي بعدها. فقد أصبحت اللقاءات والعلاقات بين تركيا وقوات سوريا الديموقراطية مباشرة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، وهي ما تزال مستمرة حتى اليوم”.
بدوره، يشير الدكتور محمد نور الدين، الباحث في الشأن التركي، إلى أن “حزب المساواة والديموقراطية للشعوب في تركيا يرتبط بعلاقات وثيقة مع حزب العمال الكردستاني وكل ما يتفرع عنه”.
ويلفت نور الدين في حديثه لـ”963+” إلى أن “الحزب يمتلك كذلك قنوات تواصل مباشرة مع القائد عبد الله أوجلان المعتقل في جزيرة إمرالي”.
ومن خلال مناقشات اللجنة البرلمانية في تركيا وتصريحات كبار المسؤولين الأتراك، يتضح جلياً أن هناك ترابطًا وثيقًا بين مساعي أنقرة لحل القضية الكردية داخليًا وما يجري على الساحة السورية.
ويستنتج نور الدين أن المشهد برمته يتسم بدرجة عالية من التعقيد، حيث تتقاطع فيه مصالح أمريكية وتركية وكردية، سواء في الداخل التركي أو في الساحة السورية. ويبقى العامل الوحيد القادر على التأثير في جميع هذه الأطراف هو الولايات المتحدة، لا بحكم علاقاتها المتوازنة مع الجميع، بل لأنها تملك أدوات القوة والإكراه لفرض إرادتها، كما اعتادت أن تفعل في الشرق الأوسط.










