أصدرت الحكومة السورية مؤخراً سلسلة من القرارات الاقتصادية التي تهدف إلى تخفيف الأعباء المعيشية على السكان، وسط تحذيرات خبراء من تحديات التمويل ومخاطر التضخم. فيما تحدث وزير المالية السورية محمد يسر برنية عن زيادة الرواتب على ثلاثة مراحل كان أولها الزيادة التي أعلن عنها الرئيس السوري أحمد الشرع منذ نحو ثلاثة أشهر.
وفي حزيران/يونيو 2025، أصدر الشرع مرسوماً رئاسياً يقضي بزيادة رواتب ومعاشات التقاعد بنسبة 200٪، بما في ذلك الحد الأدنى الذي ارتفع إلى حوالي 750,000 ل.س (قرابة 75 دولارًا). كما صدرت في أيلول/سبتمبر 2025 زيادة ضخمة في رواتب القضاة، حيث تتراوح من 550 إلى 1,200 دولار شهريًا وتنفذ اعتبارًا من 16 آب/أغسطس.
ويشير خبراء إلى أن تمويل هذه الزيادات يعتمد بشكل كبير على مساعدات خارجية ومنح؛ حيث تدفع قطر والسعودية حوالي 29 مليون دولار شهرياً لدعم رواتب القطاعات الأساسية، خاصة الصحة والتعليم. وتبلغ تكلفة زيادة الرواتب المحتملة حوالي 1.65 تريليون ليرة سورية، أو نحو 127 مليون دولار، ويتم تمويلها من الخزينة والدعم الإقليمي واستثمارات جديدة واستعادة الأصول الأجنبية.
وتأتي هذه الخطوات في وقت يتوقع فيه تقرير البنك الدولي نمواً اقتصادياً ضعيفاً في 2025 بنحو 1% بعد انكماش قدره 1.5% في 2024، في ظل استمرار الأزمات المالية والأمنية والعقوبات. من جهته، أكد صندوق النقد الدولي أن سوريا بحاجة عاجلة إلى دعم دولي واسع النطاق، وأشاد بالالتزام الإصلاحي للقيادات المالية، وطرح خارطة طريق للإصلاحات الضريبية والاستقرار النقدي.
وتُتخذ هذه القرارات بينما يعاني السوريون من أسوأ أزمة جوع في تاريخهم الحديث؛ إذ يواجه أكثر من 14 مليون سوري انعدامًا في الأمن الغذائي، ويشهد القطاع الزراعي انهيارًا بسبب الجفاف والتغير المناخي.
وعلى الرغم من أن الزيادات في الرواتب تُعتبر خطوة مرحلية ضرورية لتخفيف الضغوط المعيشية، إلا أنها تواجه تحديات تمويلية كبيرة. فالاقتصاد السوري يعاني من ضعف حاد في الإيرادات الداخلية، واعتماد كبير على الدعم الخارجي، وتراجع الإنتاج.
اقرأ أيضاً: الموازنة العامة السورية بين أرقام الماضي وأحلام المستقبل
وتشير تقارير صحفية لوجود إشارات إيجابية لإطلاق إصلاحات هيكلية، وتحسين بيئة الاستثمار، واستغلال الموارد الطبيعية— لكن ينبغي أن تُترجم فعلياً إلى مشاريع مستدامة. ولا يمكن ضمان استدامة الرواتب دون تحسن حقيقي في الاقتصاد، والإنتاجية، والأمن، والبيئة الاستثمارية. ويبقى استمرار الدعم الخارجي، وإعادة تأهيل القطاعات الحيوية، وتعزيز البنية التحتية، ومعالجة الأزمة الغذائية والمناخية، عوامل حاسمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الاستقرار.
تحذيرات من التضخم وضرورة الإصلاح الهيكلي
في هذا السياق، قالت الدكتورة سماهر الخطيب، أستاذة متخصصة في العلاقات الدولية والديبلوماسية لـ”963+”: “الخطوة ستكون شكلية أو مرحلية فقط على اعتبار أن الحكومة السورية تعاني من تحديات مالية كبيرة تُضعف قدرتها على تمويل زيادة الرواتب بشكل مستدام”.
وترى أن الاقتصاد السوري يعاني من انكماش تجاوز 85% منذ عام 2011، مع انخفاض قيمة الليرة السورية بشكل كارثي (270 ضعفاً مقابل الدولار) وغياب موازنة عامة واضحة والتي تقدر حالياً بحوالي 52.6 تريليون ليرة سورية أي ما يعادل حوالي 2.6 مليار دولار بسعر الصرف السابق، وهي موازنة ضعيفة مقارنة باحتياجات البلاد.
وتعتمد الحكومة على مجموعة من المصادر لتمويل الزيادات، بما في ذلك المنح الخارجية (مثل منحة قطر البالغة 29 مليون دولار شهرياً) وإعادة ترتيب النفقات العامة وتحسين التحصيل الضريبي والاستثمارات العربية والدولية المقدرة بحوالي 30 مليار دولار، بحسب الخطيب. ويكون ذلك من خلال “تحسين الإيرادات الداخلية المتمثلة بالموارد الطبيعية حيث تمتلك سوريا موارد طبيعية هامة (نفط، غاز، فوسفات، زراعة) لكنها غير مستغلة بالكامل فإنتاج النفط يبلغ 65-70 ألف برميل يومياً، بينما الاحتياج الوطني 90 ألف برميل. وإنتاج الغاز يغطي فقط 30% من الاحتياج المحلي. أما الفوسفات فعوائد تصديره تصل إلى 400 مليون دولار سنوياً، ويمكن أن تصل إلى ملياري دولار إذا تم تصنيعه محلياً، كما تعمل الحكومة على إصلاح النظام الضريبي لتحسين الإيرادات إضافة إلى الدعم الخارجي والقروض”.
ويمثل هذا الدعم والمنح مصدراً رئيسياً لتمويل الرواتب حالياً كالمنحة القطرية والمساعدات السعودية والتركية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاستثمارات الأجنبية مثل إدارة ميناء اللاذقية من قبل شركة فرنسية ومشاريع تطوير الموانئ بتمويل إماراتي. ناهيك عن اللجوء إلى سياسات نقدية كطباعة العملة وسط تحذيرات من أن اللجوء لطباعة النقود سيكون له آثار تضخمية مدمرة، وفقاً لقولها.
وتحذر الخطيب من أن “كل زيادة سابقة في الرواتب يعقبها موجة من ارتفاع الأسعار، مما يجعل أثرها على المواطنين شبه معدوم وهذا ما لوحظ فعلاً فور صدور قرار الزيادة، حتى قبل صرفها، حدث ارتفاع فوري في أسعار المواد الغذائية والأساسية نتيجة توقع التجار لموجة تضخم. كما أن زيادة الكتلة النقدية دون زيادة موازية في الإنتاج سيؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار. وهذا يعني اختلال في التوازن النقدي”.
ولتفادي التضخم، تدعو الخطيب إلى “ضرورة زيادة الإنتاج عبر دعم القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة لتقليل الاعتماد على الواردات (التي تمثل 70% من السلع الأساسية) وتشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار. ويبدو أن توزيع الزيادة على مراحل تدريجية (حتى 400%) يمكن أن يخفف حدة الصدمة التضخمية”.
وتؤكد أن “هناك خطط واضحة المدى المنظور، وهذا لا ينفي ضرورة الاستثمار في القطاعات الإنتاجية من خلال وضع خطط لاستغلال الموارد الطبيعية بشكل أفضل، خاصة النفط والغاز والفوسفات. كما يعتبر القطاع الزراعي أحد القطاعات الواعدة، حيث كان يساهم بـ28% من الناتج المحلي عام 2010 وانخفض إلى 10% حالياً، وهذا يستلزم ضرورة وضع خطط لاستنهاضه”.
اقرأ أيضاً: الاستثمارات في سوريا: بين الوعود الاقتصادية والمخاطر السياسية
بالإضافة إلى المشاريع الاستثمارية الكبرى كالسعي نحو بناء 4 محطات طاقة تعمل بالغاز إلى جانب محطة للطاقة الشمسية بكلفة 7 مليارات دولار، ومشاريع تطوير ميناء اللاذقية وطرطوس باستثمارات فرنسية وإماراتية، واستثمارات في قطاعات الاتصالات والخدمات الرقمية.
وتقول الخطيب: “كما يستلزم إصلاحات هيكلية ظهرت بتبني الحكومة لنهج الاقتصاد الحر وخصخصة بعض مؤسسات القطاع العام، وإصلاح نظام الرواتب حيث تؤكد الحكومة أن زيادة الرواتب جزء من خطة شاملة لإصلاح منظومة الأجور، وجذب الاستثمار الأجنبي من خلال العمل على تعديل قوانين الاستثمار لجذب المستثمرين”.
وخلصت إلى أن “المحصلة: تمتلك الحكومة قدرة مالية محدودة لتمويل زيادة دائمة في الرواتب، وتعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي في الوقت الراهن. وهناك خطر حقيقي من أن تؤدي الزيادة في الرواتب إلى موجة تضخمية جديدة، ما لم ترافق بزيادة في الإنتاج ورقابة صارمة على الأسواق”.
ورغم وجود خطط للاستثمار وزيادة الإنتاج، إلا أنها غير كافية في المدى القريب لضمان استدامة الزيادة في الرواتب. تعتمد استدامة الزيادة في الرواتب على عوامل خارجية كثيرة، أهمها استمرار الدعم الخارجي، ونجاح المشاريع الاستثمارية، وتحسن الأوضاع الأمنية. باختصار، فإن زيادة الرواتب هي خطوة إيجابية لتخفيف المعاناة المعيشية للسوريين، لكنها تبقى غير كافية وغير مستدامة بدون إصلاحات هيكلية عميقة وزيادة في الإنتاج والقدرة التنافسية للاقتصاد السوري. ونجاحها يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين السياسات النقدية والمالية من جهة، وسياسات زيادة الإنتاج والاستثمار من جهة أخرى، طبقاً لرأيها.
نداء للبراغماتية والاستقرار
يقول الخبير الاقتصادي نهاد إسماعيل المقيم في لندن لـ”963+”: “الاقتصاد السوري بعد 14 عاماً من الصراعات الداخلية وإهمال الاقتصاد والعقوبات التي كانت مفروضة على النظام السابق أنهكت الاقتصاد. وحذف الأصفار من العملة لا يحل المشكلة، إذا لم يرافق ذلك إصلاحات اقتصادية فعالة. في هذه المرحلة الصعبة، دفع زيادات في الرواتب من طبع المزيد من العملة سيخلق تضخماً كبيراً حيث تفقد قيمتها بسرعة وندخل مرحلة جديدة من المطالبة بأجور ورواتب أعلى من السابق”.
ويشدد إسماعيل على أنه “في هذه المرحلة الصعبة يجب تعتمد سوريا على القروض والهبات من دول عربية في الخليج العربي والحصول على دعم من صندوق النقد الدولي بشروط سهلة لإعطاء فرصة لسوريا أن تستعيد عافيتها وتعيد بناء البنية التحتية وإعادة تأهيل الاقتصاد”.
اقرأ أيضاً: الليرة الجديدة بين الإصلاح والرمزية: حذف الصفرين وخبراء يحذرون من التضخم
ويضيف: “لذلك تستطيع سوريا دفع زيادات في الرواتب بنسب معتدلة، وإعطاء اهتمام للفئات الضعيفة غير القادرة على العمل، وهذا يتطلب قاعدة اقتصادية قوية وتنمية التصدير وخلق البيئة الآمنة والمستقرة لجذب الاستثمارات العربية والعالمية وإعادة تأهيل القطاع الزراعي والصناعي والسياحة، وأيضاً مصادر الطاقة من نفط وغاز. وهذا سيأخذ سنوات، ولكن النمو الاقتصادي هو الحل لرفع الرواتب ومستوى المعيشة بشكل عام”.
ويختتم بالقول: “البنية التحتية، الماء والكهرباء والأمن والاستقرار والخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية والتعليم تبقى الأولويات في هذه المرحلة. سوريا تواجه تحديات ضخمة، وتستطيع النهوض إذا ابتعدت عن الأيديولوجيات الطائفية والمذهبية، وعدم الانخراط في الصراعات الإقليمية، وركزت على سياسة اقتصادية براغماتية وبسط الأمن والاستقرار”.










