خلال الشهور الفائتة، تحولت سوريا إلى مساحة اختبار لصياغات سياسية غير مسبوقة. فالغرب، الذي خبر صعود الإسلام السياسي في المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يعد يتعامل مع الظاهرة الإسلامية بوصفها عدواً أيديولوجياً مطلقاً، فهو صار ينظر إليها كأداة يمكن قولبتها وإعادة إنتاجها ضمن ما يُسمى بـ الـ “نيو إسلام”. هذا الطور لم يتشكل حصراً من الداخل، بل جاء محمولاً على رغبة غربية صريحة في هندسة “الإسلام الجديد”، كإطار سياسي–اجتماعي–ثقافي يضبط المجال العام، ويعيد صياغة الهوية السورية بما يتوافق مع الرؤية الغربية لمعادلات الأمن والاستقرار في المنطقة.
هذا المفهوم، الذي يمكن ربطه بمقاربات الضبط الحيوي عند ميشيل فوكو، هو محاولة لإعادة إنتاج الخطاب الإسلامي السياسي في صيغة وظيفية تضمن التوازنات الإقليمية والدولية. فالمطلوب نسخة مدجّنة من الإسلام السياسي، قابلة للدمج في بنية سياسية انتقالية هشة، تؤدي دور “الشرطي المحلي” تحت إشراف النظام الدولي.
الفرق الجوهري بين الإسلام السياسي التقليدي وبين ما يراد فرضه اليوم، يكمن في أن الغرب لم يعد يخشى من الإسلام كقوة أيديولوجية مجردة، بقدر ما يسعى لتطويعه وتحويله إلى أداة وظيفية. الـ نيو إسلام لا يعني العودة إلى النصوص، ولا حتى إلى مشروع الخلافة، وإنما إعادة ترويض للخطاب الإسلامي ليصبح أقرب إلى نسق “إسلام مدني–طائفي” مشبع بالقدرة على إدارة التوازنات الطائفية والجندرية والاقتصادية وفق مقاسات الخارج.
تاريخياً، مثّل الإسلام السياسي ــ سواء الإخواني أو السلفي ــ حالة صدامية مع الدولة الوطنية. لكنه اليوم يُعاد ترويضه وتحويله إلى ما يشبه “إسلام الخدمات”؛ إسلام يقبل بالاقتصاد الليبرالي، يوافق على الحدود الجيوسياسية المرسومة غربياً، ولا يعترض على العلاقات مع القوى الكبرى، لكنه يحتفظ بسطوة رمزية على المجتمع.
بذلك يصبح الدين أداة لـ”إدارة الطاعة”، والسلطة الانتقالية في دمشق وإن كانت لا تملك مشروعية دستورية وطنية راسخة، لكنها تملك خطاباً دينياً يجري تلميعه وتطويعه ليتناسب مع منطق “الاستقرار فوق الديمقراطية”. وهو منطق يتبناه الغرب منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر، ويعتمد على استبدال مفهوم الدولة المدنية بمفهوم “الدولة الدينية المنضبطة” كجدار صدّ للفوضى.
في تصريحاته الأخيرة، سعى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى تقديم نفسه بصورة مختلفة عن ماضيه، فنفى بشكل صريح أن يكون امتداداً للتنظيمات الجهادية أو للإخوان المسلمين، محاولاً أن يرسم لنفسه ملامح فاعل سياسي مستقل لا يحمل إرث الأصوليات القديمة.
غير أن هذا الخطاب، عند قراءته في سياق أوسع، لا ينفصل عن جوهر مشروع الـ “نيو إسلام” الذي يسعى الغرب إلى تكريسه في سوريا. فالنفي هنا ليس دليلاً على مراجعة فكرية حقيقية أو تحوّل جذري، بقدر ما يمثل استراتيجية رمزية تهدف إلى إنتاج صورة خطاب إسلامي يُسوَّق خارجياً كبديل مقبول عن الفوضى.
بهذا المعنى، يصبح خطاب الشرع نموذجاً حياً لكيفية عمل الـ “نيو إسلام”؛ فهو يقوم على لغة مزدوجة، تُسوّق في الخارج باعتدال ونفي للارتباطات الجهادية، لكنها في الداخل تحافظ على أدوات السيطرة الدينية والطائفية التي تمنحه الهيمنة. والهدف هنا ليس تفكيك البنية الأصولية، وإنما إعادة تغليفها بما يجعلها أكثر توافقاً مع متطلبات أوروبا والولايات المتحدة. وبذلك يتحول الخطاب نفسه إلى أداة لإدامة المعادلة التي يريدها الغرب؛ سلطة مروّضة ذات غطاء ديني، قابلة للتفاوض الدولي، لكنها في الوقت نفسه قادرة على ضبط الداخل عبر آليات الطاعة الرمزية.
نفي الشرع هنا هو خطاب دفاعي يتقاطع مع ما يمكن تسميته في علم الاجتماع السياسي بإنتاج الشرعية الرمزية، فهو يخاطب العواصم الغربية التي طالبته مراراً بتوضيحات حول مرجعية الحكومة الحالية وضمانات ألا تكون غطاءً لتيارات راديكالية. الشرع يلجأ إلى استراتيجية إنكار الأصل ليقدّم نفسه كقائد مفصول عن ماضيه، تماماً كما فعلت حركات أخرى حاولت أن تنفي جذورها العنيفة كي تدخل في دائرة الشرعية الدولية.
لذا فإن قراءة تصريحات الشرع بوصفها مجرد محاولة لنفي الانتماء تفوّت الجانب الأهم، وهو أنها تعمل كآلية لإعادة إنتاج الشرعية ضمن حقل سياسي جديد، حيث يصبح النفي نفسه شكلاً من أشكال الاعتراف الضمني. فعندما يعلن ابتعاده عن تلك المرجعيات، لا يقدّم بديلاً وطنياً جامعاً، وإنما يؤكد حضوره ضمن معادلة ضيقة تضع الدين في قلب السياسة بجرعات مضبوطة. هذه الاستراتيجية تعكس بدقة منطق الـ “نيو إسلام” الذي يحوّل الخطاب الديني من مصدر صراع مباشر مع الغرب إلى أداة للتماهي مع تصوراته عن “الإسلام المقبول”. وهنا يظهر الشرع كجزء من عملية أكبر يجري فيها تدجين الإسلام السياسي وتحويله إلى غلاف يُستخدم لإدارة مجتمع مأزوم من دون أن يُسمح له بتجاوز دوره الوظيفي.
لقد تحولت سوريا إلى مختبر مفتوح لاختبار هذه الصيغة الجديدة، فالغرب الذي لطالما تخوّف في سنوات مضت من أن تنتج الفوضى السورية إمارات جهادية متطرفة، يسعى اليوم إلى عكس ذلك من خلال إدامة سلطة “إسلامية” ولكن بنكهة مدجّنة، تقبل بالحد الأدنى من التوافقات الدولية، وتتحرك في فضاء سياسي مضبوط بعناية. هذه السلطة، وإن بدت متشددة في بنيتها الداخلية، إلا أنها تخضع لإعادة قولبة تجعلها صالحة للاستثمار الدولي.
النقطة المركزية هنا أن الغرب لا يتعامل مع الإسلام كدين بالضرورة، وإنما كهُوية سياسية قابلة لإعادة التشكيل. فالـنيو إسلام في سوريا ليس سوى صورة حديثة لما جرى في مراحل سابقة مع “الإسلام التركي” أو “الإسلام المغربي”، حيث يُعاد تقديم الدين كإطار لضبط المجال العام.
خطورة هذا المشروع تكمن في أنه يُفرغ اللحظة الانتقالية من معناها الوطني. فبدلاً من أن تكون فرصة لإعادة صياغة مشروع جامع قائم على المواطنة والدولة المدنية، تتحول إلى ورشة لإنتاج “إسلام وظيفي” يُبقي المجتمع أسيراً لثنائية الطاعة الدينية والوصاية الدولية.










