لم يكن قرار القاهرة بحظر جماعة “الإخوان المسلمين” في عام 2013، وتصنيفها جماعة “إرهابية” في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، المرة الأولى التي تواجه فيها الجماعة قرار الحظر من قبل الدولة المصرية، سواء قبل ثورة يوليو 1952 أو بعدها، لكنها كانت المرة الأولى التي تواجه فيها مثل هذا القرار بعد جلوسها على كرسي السلطة لمدة عام كامل.
جاء ذلك عقب أحداث يناير 2011، ودخول مصر انتخابات رئاسية أسفرت عن فوز ممثل الإخوان محمد مرسي برئاسة الجمهورية. غير أن المجتمع المصري، الذي تشبّث في لحظة استثنائية بتراثه الوطني، واجه محاولات الجماعة “أخونة” مؤسسات الدولة والسيطرة على مفاصلها، فخرج غاضباً مطالباً بسقوطها في مظاهرات حاشدة يوم الثلاثين من يونيو/حزيران 2013.
وقد كشفت تلك اللحظة الفارقة في عمر الدولة المصرية عن حقيقة توجهات الإخوان، المتمثلة في انتهاج العنف والإرهاب المنظَّم ضد قيادات الشرطة والجيش في مختلف المحافظات، ولا سيما في شمال سيناء.
اقرأ أيضاً: جدل حل “الإخوان” في سوريا: بين ضرورات الاستقرار ومخاطر الإقصاء – 963+
لحظة التغيير
نحو ذلك، يشير الباحث في الجماعات الإسلامية عماد عبد الحافظ إلى أن لحظة التغيير التي جاءت بها ثورة يناير شكّلت مفاجأة لجماعة الإخوان، إذ لم تكن الثورة جزءًا من مشروعها الذي وضعه المؤسس حسن البنا، والذي كان يقوم على أهداف ومراحل وآليات محددة لا تتضمن خيار الثورة.
ويلفت عبد الحافظ، في حديثه لـ”963+”، إلى أن الجماعة رأت في تلك اللحظة فرصة تاريخية اختصرت كثيراً من مراحل مشروعها، معتبرة أن مرحلة الحكم والتمكين قد حانت. ومن ثم حرصت على الوصول إلى الحكم وامتلاك السلطة، سواء التشريعية أو التنفيذية، مستفيدة من جاهزيتها التنظيمية وقاعدتها الشعبية الواسعة في مقابل ضعف الأحزاب والتيارات المدنية الأخرى. ويُعدّ هذا العامل أول وأبرز أسباب سعيها إلى الحكم.
ويبيّن أن السبب الثاني يتعلّق بالصورة الذهنية التي تحملها الجماعة عن نفسها وعن الآخرين؛ إذ ترى أنها الأجدر بالقيادة باعتبارها صاحبة “المشروع الإسلامي”، في مقابل التيارات المدنية والعلمانية. كما تعتبر مشروعها هو المعبر عن الإسلام الصحيح بالمقارنة مع الحركات الإسلامية الأخرى.
ويوضح أن السبب الثالث يتمثل في هاجس القمع والتضييق لدى الجماعة نتيجة تجاربها السابقة، حيث كانت تتصور أنها ستتعرض لممارسات قمعية مشابهة لما جرى في عهود سابقة إذا ما وصل إلى الحكم شخص من خارجها، لدرجة أنها كانت تخشى حتى من صعود عبد المنعم أبو الفتوح إلى الحكم، وهو الذي كان حتى وقت قريب أحد قياداتها ورموزها البارزة.
ويستدرك عبد الحافظ قائلاً: على الرغم من قوة الجماعة التنظيمية وامتلاكها قاعدة شعبية واسعة ساعدتها على الوصول إلى الحكم، فإن نجاحها واستمرارها كانا مرهونين بتوافر شروط أخرى لم تكن متاحة لديها؛ إذ افتقدت الخبرة الكافية لإدارة الدولة والتعامل مع الأطراف المختلفة، سواء داخلياً مع مؤسسات الدولة والقوى المعارضة، أو خارجيًا مع الأطراف الإقليمية والدولية.
اقرأ أيضا: مفاوضات سورية – إسرائيلية: هل تفتح باب التطبيع أم ترسم حدوداً جديدة؟ – 963+
ويشدّد على أن الأهم من ذلك هو طبيعة الجماعة نفسها، المتمثلة في نظرتها الاستعلائية إلى الآخر والشعور بتميزها عنه، إضافة إلى مشروعها المتجاوز لحدود الدولة الوطنية وغير المؤمن بها، وهو ما مثّل سبباً رئيساً في رفض استمرارها في الحكم؛ إذ بدا وجودها على رأس السلطة في دولة بحجم مصر تهديدًا للدولة ذاتها، الأمر الذي جعل سقوطها من الحكم أمراً حتمياً.
كما يؤكد أن لتجربة الإخوان في الحكم أثراً واضحاً في تغيّر موقف شريحة من المجتمع تجاهها، إذ كشفت تلك التجربة عن العديد من العيوب الكامنة في خطاب الجماعة وأفكارها ومشروعها.
ويضيف أن أداء الجماعة بعد سقوطها من الحكم وطريقة تعاطيها مع الصراع الناتج عن ذلك، أسهما في إظهار التناقض بين خطابها وممارساتها؛ فهي كانت تدّعي أنها جماعة سلمية تتبنى التغيير المتدرج والعمل السياسي، غير أن الأحداث أظهرت أن العنف واللجوء إلى القوة ما زالا أحد خياراتها التي لم تتخلَّ عنها”.
كان من اللافت أن الجماعة لم تُقْدم على حلّ التنظيم بعد يناير/كانون الثاني 2011، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين دعا المرشد العام آنذاك، محمد بديع، إلى تأسيس حزب سياسي باسم “الحرية والعدالة”، واختارت سعد الكتاتني وكيلاً للمؤسسين.
غير أن المحكمة الإدارية العليا قضت، في 9 أغسطس/آب 2014، بحل الحزب وتصفية ممتلكاته السائلة والمنقولة وتحويلها إلى الدولة.
“إستراتيجية متراكمة”
بدوره، يقول منير أديب، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، إن “الإخوان المسلمين لم يصلوا إلى السلطة في مصر صدفة، بل وفق إستراتيجية متراكمة تنطلق من فكرة الأممية، تبدأ ببناء الفرد والأسرة والمجتمع، وصولًا إلى الدولة الإسلامية فالخلافة”.
ويضيف في حديثه لـ”963+” أن الجماعة، سواء في صورة التنظيم أو الحزب “الحرية والعدالة” بعد يناير/كانون الثاني 2011، لم تسعَ فقط إلى المشاركة السياسية، بل هدفت إلى تسييس الدولة نفسها وإخضاع مؤسساتها لرؤية التنظيم.
ويلفت أديب إلى أن الإخوان اعتمدوا مسارين متوازيين: الدعوي عبر التجنيد والتأثير الفكري، والخيري عبر الأنشطة الاجتماعية، لكن الغاية في الحالتين كانت واحدة: السيطرة على مفاصل المجتمع واستخدامه سلّمًا للسلطة.
ويشدد على أن تجربتهم في مصر بعد أحداث 2011 كشفت وجههم السياسي الحقيقي، إذ تعاملوا مع الدولة العريقة وكأنها مجرد فرع من فروع التنظيم، فافتقدوا الخبرة، ولم يدركوا مقتضيات الحكم، ولم ينسجموا مع فكرة الدولة الوطنية.
ويختم أديب بالقول: “كان سقوطهم في مصر سريعًا بقدر صعودهم؛ فقد اندفعوا نحو السلطة كسيارة مسرعة نحو القمة، لكن ما إن بلغوها حتى انحدروا نحو الحظر والتصنيف كجماعة إرهابية”.










