في خضم التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، برزت مؤخراً أصوات سياسية تنادي بحل جماعة “الإخوان المسلمين”، في خطوة تثير تساؤلات عميقة حول توقيتها وعلاقتها بالتقارب السوري-الخليجي الجاري وانعكاساته على مستقبل البلاد.
وتشهد جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا مراجعة شاملة لموقعها السياسي والاجتماعي، في ظل متغيرات المشهد السوري المعقد، فيما يبرز حديث عن خيار “حل التنظيم” كمسار تكتيكي للحصول على مكاسب سياسية.
ويرى محللون أن هذا الطرح ليس مجرد تصريح عابر، بل يبدو كرسالة سياسية موجهة تحمل دلالات عميقة. إذ يمكن قراءته كخطوة استباقية لتأمين استقرار الدولة الناشئة وتحصينها من قوى إقليمية تناصب الجماعة العداء، مما يجعله أشبه بـ”صك تأمين” لضمان حماية سوريا وتعزيز مسار نهضتها بعد عقود من الاستبداد.
فشل سياسي للجماعة.. وتحدٍ وجودي للدولة
يبررون أن الظرف السوري الراهن، حيث تواجه الدولة تحديات أمنية وجودية وضغوطاً دولية، قد يصبح “حل” بعض الأحزاب -ولو مرحلياً- خطوة تؤدي إلى مصلحة راجحة في ظل انفتاح سوريا على العالم وتقاربها الإقليمي، خاصة أن هذه التقاربات قد تكون مشروطة بمصالح متبادلة أو بكفّ الأذى.
بيد أن التجربة التاريخية لجماعة الإخوان في سوريا تظهر أنها سبق أن حلت نفسها خلال فترة الوحدة مع مصر، لكنها عادت إلى الوجود لاحقاً. وهذا يثير تساؤلات حول جدوى الحل إذا لم يكن جزءاً من مشروع وطني توافقي أوسع، يراعي خصوصية المرحلة ويشمل مشاركة واسعة من القوى السياسية والاجتماعية، محاطاً بضمانات دستورية واضحة تحمي التعددية وتصون حرية العمل السياسي.
في هذا الإطار، تأتي تصريحات مستشار الرئيس السوري أحمد الشرع، موفق زيدان، الذي هدد الجماعة بالإقصاء إذا لم تحل نفسها، معتبراً أن مشروعها كتنظيم عابر للحدود قد فشل، وباتت طروحاتها بعيدة عن الواقع ولا تخدم المرحلة التي تعيشها الدولة الجديدة.
اقرأ أيضاً: من شباب السنة إلى الحل الكامل.. اللواء الثامن ينهي وجوده بعد مقتل بلال الدروبي
ويعتبر محللون أن هذه التصريحات يمكن تفسيرها كرسالة مطمئنة للدول العربية التي تحظر الإخوان ولا تفضل وجودهم في المشهد السوري الجديد، كما أنها تعكس المزاج العام الآخذ بالتشكل داخل البيئة السياسية الحاكمة في دمشق.
ويرون أن خيار “الحل” في السياق السوري الراهن ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو مفصل حاسم في رسم ملامح الدولة الناشئة. وإن كان الاستقرار مقصداً مشروعاً وضرورياً، فإن الطريق الأفضل لبلوغه يبقى هو التوافق وإيجاد عقد وطني جامع يتوافق عليه الجميع، يحول التهديدات إلى فرص للبناء، ويوازن بين المصالح الداخلية والخارجية على حد سواء.
ويقول الكاتب والسياسي السوري، درويش خليفة، لـ”963+”، إن تركيا شهدت منذ منتصف تموز/يوليو الماضي بدء جماعة الإخوان المسلمين في سوريا مراجعة موقعها السياسي والاجتماعي بعد أكثر من أربعة عقود على خروج معظم قياداتها من المشهد عقب أحداث حماة وحلب وجسر الشغور.
ويضيف: “اليوم، مع سقوط نظام البعث وصعود قوة عسكرية ذات مرجعية دينية لم تكن يومًا جزءًا من المشهد السياسي التقليدي في سوريا، تبدو الساحة السياسية والاجتماعية غامضة وملتبسة بالنسبة لمختلف القوى، بما في ذلك الإخوان المسلمون”.
ورغم القرب الإيديولوجي بين الجماعة و”هيئة تحرير الشام”، وانخراط بعض الشخصيات المحسوبة عليها في وزارات أو إدارات محلية، إلا أن أوضاع الإخوان –بحسب خليفة– “لا تختلف كثيراً عن بقية الأحزاب والتيارات التي تعاني من تراجع الحضور والتأثير”.
ويوضح أن “الجماعة، التي نشأت قبل نحو ثمانية عقود على أساس مشروع ديني–إسلامي عابر للحدود، لم تستطع التكيّف مع التحولات التي شهدتها المنطقة، ولم تنجح في إعادة تعريف دورها ضمن المتغيرات السورية الجديدة”.
انقسامات داخلية.. الحل خيارًا
لا يمكن –وفقًا للكاتب السوري– مقارنة الإخوان بالائتلاف الوطني لقوى المعارضة أو حتى بالفصائل المسلحة التي تشكّلت لإسقاط النظام السابق، “فالتنظيم الإسلامي ظل متمسّكاً برؤية خاصة لم تستوعب كلياً منطق العمل السياسي السوري ولا تطوراته”.
إلى جانب ذلك، تشهد الجماعة انقسامات داخلية عميقة، أبرزها بين الكتلتين الحموية والحلبية، وهو ما أفضى إلى وصول مراقب عام من خارج هاتين الكتلتين في العقد ونصف الماضيين، بدءاً بمحمد وليد من “اللاذقية” لدورتين متتاليتين، ثم عامر البوسلامة من” دير الزور” في الدورة الحالية.
اقرأ أيضاً: الكردستاني يحلّ نفسه.. انتصر “لوزان”
واستناداً إلى هذه المعطيات، تبدو احتمالية حلّ الجماعة نفسها واردة، “ليس كخطوة استسلامية، بل كخيار تكتيكي يتيح لها الحصول على مكاسب سياسية من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع”.
ومع ذلك، فإن هذا القرار –كما يرى خليفة– “لن يكون بلا مقابل أو ضمانات، خاصة في ظل هشاشة الاستقرار السياسي والإداري في البلاد”. ومن المرجح أن يتيح هذا المسار للجماعة فرصة لإعادة التموضع والاستمرار في العمل السياسي والاجتماعي بعد مسيرة امتدت لنحو ثمانين عاماً.
الحل مهم للاستقرار
من جهته، يقول منير أديب الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي وقضايا الأمن القومي، لـ “963+”، إن “حل الجماعات الدينة المؤدلجة والمتطرفة ومن ضمنها جماعة الإخوان المسلمين عامل مهم لاستقرار دول المنطقة”.
ويعتبر أديب أن وجود مثل هذه الجماعات “تؤثر على قوة الدولة الوطنية وسيطرتها على الداخل واستقرار الدولة الحاكمة”. مضيفًا: أن “الإخوان في حال أرادوا ممارسة العمل السياسي عليهم أن ينخرطوا في حزب تنطبق عليه قواعد الأحزاب، أو يتم حل التنظيم ويكون تيار اجتماعي داخل المجتمع”.
ويرى الباحث أن الحل في سوريا والبلدان العربية “يبدأ من حل الإخوان المسلمين والتنظيمات الدينية والمتطرفة لأنفسها. لأن أي تيار ديني أيدلوجي ومتطرف من الممكن أن يؤدي على حالة اقتتال في سوريا على المدى القريب أو البعيد وحالة من الفوضى”. مشدداً على أن “الحل بالحل”.
اقرأ أيضاً: صراع السيادة: الأردن يواجه “الإخوان” و”حماس” على جبهة الداخل
ويشير إلى أن فكرة الحل “كان يجب أن تطبقه جميع التنظيمات الدينية والمتطرفة في سوريا منذ اللحظة الأولى لتحرير البلا من نظام بشار الأسد”. مضيفاً أن دعوة أحمد موفق زيدان تنطبق أيضاً على “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) “والتي باتت مطالبة بتطبيق الحل على أرض الواقع بشكل حقيقي وليس عبر تصريحات”.










