في خطوة مفصلية تعكس تحولاً جوهرياً في المشهد السياسي والاقتصادي الإقليمي، أعلنت شركة غوغل العملاقة رسمياً عن إزالة سوريا من قائمة العقوبات الخاصة بمكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC)، مما يمهد الطريق لاستئناف الخدمات الإعلانية الكاملة في البلاد لأول مرة منذ فرض العقوبات المشددة عام 2011، والتي بنيت على إجراءات تقييدية سابقة تعود إلى عام 2004.
ويأتي هذا القرار التاريخي، الذي تم الإعلان عنه عبر تحديث السياسة الرسمية للشركة، تتويجاً لمسار ديبلوماسي وتقني مطوّل، ويعيد تعريف إمكانات الوصول إلى السوق الرقمية السورية التي يقطنها ما يقدر بنحو 22 مليون نسمة.
وبحسب البيان الرسمي، فإن هذا التغيير الشامل يشمل منصات إعلانية متعددة ورئيسية، وهي “إعلانات غوغل” و”غوغل آد مانجر” و”غوغل آد إكستشينج”، حيث سيتم تحديث سياسة المتطلبات القانونية لإعلانات الشركة وصفحة مركز المساعدة لتعكس إزالة سوريا من قائمة العقوبات رسمياً.
وقد وصفت غوغل هذا التعديل بأنه تطور بالغ الأهمية في مجال إمكانية الوصول إلى التسويق الرقمي في منطقة الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن هذا الانفتاح يتيح للمعلنين الدوليين إمكانية استهداف سوريا كموقع جغرافي ضمن الخيارات المتاحة في إعدادات الحملات الإعلانية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.
ولفتت الشركة إلى أن على الناشرين والمعلنين المحليين، الذين تأثروا سابقاً بالعقوبات وتم تجميد حساباتهم، أن يخضعوا لإجراءات التحقق القياسية من قبل الشركة، مع ضرورة المراجعة اليدوية للحسابات المعلقة بسبب القيود الجغرافية السابقة قبل أن يتمكنوا من استعادة الوصول الكامل إلى الخدمات.
اقرأ أيضاً: امبراطورية غوغل إلى زوال؟
ومن المتوقع أن تفتح هذه الخطوة الباب أمام عودة النشاط التسويقي الرقمي في سوريا، حيث يقدر معدل انتشار الإنترنت بنحو 34%، وهي نسبة تشكل قاعدة مستخدمين محتملة كبيرة رغم التحديات الاقتصادية والبنى التحتية التي لا تزال تعاني من آثار سنوات من الصراع.
كما أولت غوغل اهتماماً خاصاً لفرص الإعلان عبر الهاتف المحمول، معتبرةً أن استمرار اعتماد الهواتف الذكية في سوريا رغم الصعوبات الاقتصادية، سيوفر للسوق فرصاً كبيرة للشركات المحلية التي تسعى للوصول إلى الجمهور المحلي، وكذلك للشركات الدولية التي تستهدف الجاليات السورية المنتشرة في الخارج.
وأكدت الشركة أن جميع المعلنين الذين يستهدفون الجمهور السوري سيخضعون لالتزام صارم بسياساتها الإعلانية العالمية، حيث ستقوم الأنظمة الآلية للمنصة بمراقبة الحملات الإعلانية بحثاً عن أي انتهاكات محتملة، باستخدام المعايير نفسها المطبقة في جميع الأسواق الأخرى حول العالم، مما يضمن حفاظاً على معايير الجودة والامتثال.
هذا التطور الكبير لم يأت من فراغ، بل هو جزء من مبادرات إقليمية أوسع نطاقاً للتحول الرقمي، ويتزامن مع جهود إعادة بناء البنية التحتية وإجراءات الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
وهو يأتي أيضاً استجابةً لقرار سياسي أميركي أوسع تمثل في إعلان البيت الأبيض، عبر منصته على “إكس”، شطب سوريا من قائمة الدول المقيدة التي كانت تضم إيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا، وهي القائمة التي تفرض قيوداً صارمة على التعاون في مجالات حيوية مثل الاتصالات والطاقة النووية المدنية.
وقد دخل هذا القرار، الذي أعلن عنه في نهاية حزيران/يونيو الماضي، حيز التنفيذ مطلع تموز/يوليو 2025، وشمل رفع معظم القيود الاقتصادية والمالية، مع الإبقاء على عقوبات مستهدفة ضد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد ومقربين منه وكيانات متهمة بالتواطؤ في أعمال إرهابية أو تهريب.
اقرأ أيضاً: “غوغل” لمقدمي المحتوى في مصر: لن ندفع بالدولار بعد اليوم
وعلى الجانب السوري، كان وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري، عبد السلام هيكل، قد أعلن سابقاً عن تشكيل مجموعة عمل للتواصل المباشر مع شركات التكنولوجيا العالمية، بهدف الإسراع في عودة الخدمات الرقمية المحجوبة.
وكشف هيكل، عبر منشور على منصة “إكس”، أن فريقاً من الوزارة يعمل يومياً مع ممثلي الحكومة الأميركية والشركات التقنية لتنفيذ إزالة اسم سوريا من قائمة الدول المقيدة تكنولوجياً، مؤكداً أن “غوغل” هي أولى الشركات التي ستبدأ خلال أيام بإتاحة خدماتها المدفوعة والمجانية تباعاً، على أن تظهر نتائج هذا الجهد التعاوني بشكل أوسع في الأسابيع المقبلة.
وتمثل هذه التطورات مجتمعة علامة فارقة في مسار إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الرقمي العالمي، وتفتح آفاقاً جديدة للنمو الاقتصادي والاتصال العالمي بعد سنوات طويلة من العزلة والتقييد.










