هل سيختفي “ابحث عنه في غوغل” من يومياتنا؟ وهل بات الذكاء الاصطناعي القادر على المحادثة بوابة المعلومات الأهم، متجاوزاً محركات البحث التقليدية التي سيطرت على الإنترنت لأكثر من عقدين؟
هيمنة خضراء بدأت عام 1998
منذ تأسيسها عام 1998، رسّخت غوغل مفهوم البحث عبر الإنترنت، معتمدة على قوائم الروابط الزرقاء التي تطبعها شاشة النتائج. هذه الفكرة البسيطة قادت إلى بناء إمبراطورية تقنية بقيمة سوقية تقترب من 2 تريليون دولار، وشغلت الأذهان بعبارة “ابحث عنه في غوغل” كبديل لـ “اعطني عنوانه” أو “أخبرني أين أجده”.
نقطة التحول: تشات جي بي تي
في نوفمبر 2022، طرحت شركة أوبن إيه آي إصداراً جديداً من روبوت المحادثة الذكي “تشات جي بي تي”، فغيّر طريقة تفكير المستخدمين في البحث. بدلاً من تقديم قائمة مواقع، صار الروبوت يتولى تجميع المعلومة وتلخيصها في إجابة واحدة أو سلسلة حوارية، عوضًا عن غمر المستخدم بروابط. هذا التغيير دفع الكثيرين للتساؤل: هل سيظل المستخدمون ملتزمين بأسلوب البحث القديم؟
وما يميز هذا الروبوت هو: “سرعة التفاعل: يكفي أن تكتب سؤالك، فتجد الإجابة في لحظات دون ضغط على الروابط. الشخصنة: يمكنك متابعة الاستفسارات في نقاش واحد، ما يحاكي تجربة السائل والمجيب مباشرة. دقة مبدئية: رغم القيود التقنية، يميل كثيرون إلى تصديق صيغة الإجابة الواحدة، أياً كان مصدرها”.
اقرأ أيضاً: “يلاغو”.. خدمة للنقل الذكي في سوريا – 963+
بيربلكسيتي: المنافس الصاعد
برزت “بيربلكسيتي” بسرعة كلاعب قوي في مجال محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث تجمع بين دقة محركات البحث وروبوتات الدردشة التوليدية، مما جعلها تحظى باهتمام واسع من عمالقة التكنولوجيا وتوقعات بنمو متسارع.
وتأسست الشركة في أغسطس 2022 بقيادة أرافيند سرينيفاس، وحققت خلال أقل من عام نموًا مذهلاً من مليوني مستخدم إلى 10 ملايين مستخدم نشط شهريًا، مع أكثر من 170 مليون استعلام شهريًا، وتقييم يقارب 14 مليار دولار.
ورغم أن جوجل لا تزال متفوقة من حيث عدد الزيارات اليومية، إلا أن الخبراء يتوقعون تغيرًا سريعًا في هذا المشهد مع تحول المستخدمين تدريجيًا إلى أدوات الذكاء الاصطناعي مثل “بيربلكسيتي” و”تشات جي بي تي” كبديل رئيسي لمحركات البحث التقليدية، مما قد يغير قواعد اللعبة في عالم البحث الرقمي.
غوغل تسابق الزمن… ومؤشرات مثيرة للقلق
خلف الكواليس، تُسابق غوغل الزمن لدمج ذكائها الاصطناعي التوليدي في محركات البحث الخاصة بها. هذا السباق فُرض عليها منذ إطلاق “تشات جي بي تي”، الذي دفعها إلى إصدار منتجات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. تُدرك جوجل أن صفقات التوزيع المحتملة لمنافسيها يمكن أن تُغير عادات المستخدمين بين عشية وضحاها.
الأرقام الأولية تُشير بالفعل إلى تحول في مسار الأمور. فقد أشار تحليل لبنك أوف أميركا إلى أن الزيارات العالمية لجوجل تتراجع بسرعة على أساس سنوي، بينما ارتفعت زيارات “تشات جي بي تي” بنسبة 160% في الأشهر الـ 12 الماضية. وبحث منفصل أجرته مورغان ستانلي يُشير إلى أن “تشات جي بي تي” لا يزال الخيار الأمثل لجيل “زد” (Z)، وأن الكثير من هذا الجيل لا يُفكر في البحث على غوغل على الإطلاق.
فبينما تفقد غوغل مكانتها تدريجيًا أمام محركات البحث الأخرى، فإن فقدانها للزخم أمام المنافسين الأكثر سرعةً في دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمتهم هو ما يثير القلق الأكبر.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي والإقناع.. القوة والأخلاقيات في التأثير على العقول – 963+
شراكات محتملة تهدد عرش جوجل
لاحظت كبرى شركات التكنولوجيا نجاح “بيربلكسيتي” سريعاً، إذ كشف إيدي كيو، المدير التنفيذي لأبل، خلال محاكمة مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة، عن بدء محادثات لدمج أدواتها في هواتف آيفون، فيما تجرى سامسونغ—التي تبيع نحو 224 مليون جهاز أندرويد سنوياً—مفاوضات مماثلة.
وإذا ما صارت “بيربلكسيتي” محرك البحث الافتراضي لهاتين الشركتين اللتين تسوقان معاً نحو نصف مليار هاتف سنويًا، فسيُقصي ذلك جوجل من موقعه ويقلص حركة زياراته بشكل مدمر، خاصة وأن المستخدمين باتوا يميلون إلى الاعتماد على نماذج الذكاء الاصطناعي مثل “تشات جي بي تي” و”بيربلكسيتي” للبحث عن المعلومات.
هل جوجل في خطر حقيقي؟
بيربلكسيتي تقدم إجابات مطولة يرفضها البعض وتفتقر للشراكات، بينما غوغل تكافح لتدارك تراجع خدماتها بإصدارات ذكاء اصطناعي غير مكتملة، ما يضع مستقبل البحث على المحك.










