العقيدة الوطنية في أي جيش تُعدّ الركيزة التي تمنحه الشرعية والقدرة على تمثيل المجتمع بأسره. هذه العقيدة تُصاغ عادة حول قيم الدفاع عن الأرض والسيادة، وتحويل الجندي إلى حامل لفكرة مشتركة تعكس الانتماء العام. أما في سوريا فقد غاب هذا المفهوم تدريجياً إلى أن تفكك تماماً مع اندلاع ثورة 2011. فقد جرى استدعاء الجيش وتركّزت مهماته على قمع الحراك الشعبي، حيث جعل هذا التحول من الوطن في العقيدة العسكرية كياناً مجرداً يُختزل بالسلطة القائمة، وليس بالمجتمع الذي يفترض أن يكون مصدر الشرعية.
انعكس غياب العقيدة الوطنية على علاقة الجيش بالمجتمع في مستويات عدّة. أولها انهيار الثقة؛ إذ بات المواطن يرى في المؤسسة العسكرية تهديداً مباشراً لا حامياً لحقوقه. ثانيها تفتت الانتماء؛ حيث لم تعد الخدمة العسكرية تُفهم كواجب وطني جامع، وإنما كعبء مفروض يربط الفرد بآلة قمعية. ثالثها تعميق الانقسام الاجتماعي؛ إذ اتسعت الهوة بين الجيش كمؤسسة فوقية وبين المجتمع كفضاء مهمّش.
رغم سقوط النظام السابق وما مثّله من عسكرة ممنهجة ضد المجتمع، لم ينجح الجيش في عهد السلطة الحالية في تجاوز الإرث القمعي أو بلورة عقيدة وطنية جديدة، فلقد ظهر بوضوح خلال أشهر قليلة من عمر هذه السلطة، أن المؤسسة العسكرية ما تزال تتحرك بالمنطق ذاته، منضبطة لأوامر سياسية ترى في اختلاف الآخر من مكونات المجتمع السوري خطراً ينبغي سحقه. انتهاكات الساحل وما تلاها من جرائم في السويداء كشفت أن الحكومة السورية الجديدة لم تقدّم مراجعة جذرية لوظيفة الجيش، بل استنسخت استخدامه كأداة لإعادة إنتاج السيطرة عبر العنف، وليشير هذا التحول المبكر في عمر قصير نسبياً، إلى أن المشكلة لم تعد مقتصرة على النظام السابق، بقدر ما باتت مرتبطة أيضاً بغياب الإرادة السياسية لدى السلطة الجديدة في إعادة تعريف الجيش كمؤسسة وطنية جامعة.
البنية التي تشكلت عبر عقود جعلت الجيش أقرب إلى جهاز أمني موسّع منه إلى جيش وطني احترافي، فأفقد تداخله مع أجهزة المخابرات خصائصه المهنية، وكرّس وظيفته كأداة لضبط الداخل. هذا النمط يتعارض مع الأسس التي قامت عليها الجيوش الحديثة، حيث جرى تكريس مبدأ خضوع الجيش للسلطة المدنية المنتخبة. في حين غابت في سوريا هذه الرقابة المدنية، وابتُلع الجيش ضمن منظومة الأمن الشامل التي جعلت حماية السلطة أولوية مطلقة.
تجربة الحكومة السورية الحالية، قدّمت مثالاً صادماً على عجزها عن تجاوز البنية القمعية للجيش، والمفارقة أن هذه السلطة وُلدت في سياق يفترض به أن يفتح المجال أمام عقد اجتماعي جديد وأن يقطع مع منطق الدولة الأمنية. غير أن ممارساتها أكدت أن إرث العسكرة جرى استدعاؤه بسرعة لإخضاع المجتمع من جديد، وليكشف هذا السلوك عن هشاشة الشرعية السياسية للحكومة، فهي لم تستند إلى التوافق الوطني أو إلى قاعدة دستورية صلبة، وإنما استعجلت توظيف الجيش كأداة قمع، فكانت النتيجة أن السوريين وجدوا أنفسهم أمام إعادة إنتاج للعنف السلطوي تحت مسمى جديد.
تشكيل الجيش الوليد على قاعدة دمج الفصائل المسلحة لم يكن مجرد خطوة تقنية في إعادة ترتيب المشهد العسكري، بل كان قراراً سياسياً ذا تبعات عميقة، حيث جعل غياب العقيدة الوطنية الجامعة وغياب معايير مهنية واضحة للانتساب والترقية والضبط، هذا الجيش نسخة مكبّرة من الميليشيات التي انبثق عنها. الولاءات الجزئية بقيت حاضرة، وأسلوب التعامل مع المجتمع ظل مطبوعاً بعقلية الفصيل وليس بعقلية المؤسسة الوطنية. النتيجة أن هذا الجيش لا يمثل ركيزة لبناء دولة، هو فعلياً تهديد مستمر لها، لأنه يُعيد إنتاج منطق القوة المتفلّتة في إطار رسمي.
الخطورة تكمن في أن أي سلطة سياسية تحاول الاعتماد على مثل هذا الكيان ستجد نفسها في مأزق مزدوج؛ فمن جهة تواجه مجتمعاً يرى في الجيش الوليد امتداداً لمرحلة الفصائل وتجاوزاتها، ومن جهة أخرى تواجه داخلياً شبكة ولاءات متناقضة تجعل من الانضباط المؤسسي أمراً شبه مستحيل. استمرار هذه البنية يعني تكريس عسكرة جديدة في سوريا، عسكرة بلا أساس وطني، قادرة على تفجير الأزمات بدلاً من حلها. بهذا المعنى، يصبح الجيش الوليد، كما هو قائم اليوم، خطراً أكبر على أي إمكانية لقيام دولة مستقرة، لأنه يرسّخ الفوضى بلبوس مؤسسي ويضع المجتمع أمام تكرار دورات العنف.
من الناحية النظرية، ما يحدث في سوريا يمكن فهمه ضمن إطار “الدولة الأمنية” التي وصفها علماء السياسة بأنها دولة تعيش على عسكرة الداخل، وتستمد مشروعيتها من الخوف أكثر من العقد الاجتماعي. ميشيل فوكو تحدث عن السلطة الانضباطية التي تفرض حضورها عبر المراقبة والعقاب، وهو ما ينطبق على الحالة السورية حيث يُختزل الجيش في وظيفة الانضباط القسري. كذلك فإنه في “الدولة الرخوة”، تفقد المؤسسات العامة احتكارها للعنف الشرعي لصالح أجهزة سلطوية متشعبة تعمل بلا ضوابط قانونية.
القمع العسكري الذي واجهه السوريون منذ 2011 ترك أثراً عميقاً في الوعي الجمعي، فصورة الجيش التي يُفترض أن تجسد الحماية والهيبة الوطنية، ارتبطت في المخيلة السورية بالقصف والاعتقال والمجازر. هذا التحول النفسي أنتج ما يمكن وصفه بـ”صدمة جمعية”، حيث تلاشت الحدود الفاصلة بين العدو الخارجي والمخاطر الداخلية، وأصبح المواطن يرى في جيشه خطراً وجودياً لا ضمانة أمنية.
من الناحية الاجتماعية، أدى هذا القمع خلال مراحل مختلفة من ثورة عام 2011 وصولاً إلى المرحلة الانتقالية وأحداث الساحل والسويداء إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة. حيث يتعامل المواطن مع الجيش كأداة تسلّط. هذه الصورة تعمقت عبر التجارب المتكررة التي رسخت في الوعي الجماعي أن الجيش جهاز قمعي يوجّه عنفه إلى الداخل. على المستوى النفسي، يسهم ذلك في توليد شعور دائم بعدم الأمان، وصولاً إلى فقدان الثقة بأي مؤسسة رسمية، ما يؤدي إلى تعزيز اللجوء إلى الهويات الضيقة – العائلية والطائفية والمناطقية – كملاذ بديل عن فكرة الدولة.
الأثر الأبعد لهذا التحول يتمثل في إضعاف الانتماء الوطني نفسه، إذ لن يعود بالإمكان تخيل الجيش كمؤسسة جامعة تعكس فكرة الوطن، وإنما كقوة مفصولة عن المجتمع. هذا التصدع النفسي–الاجتماعي يشكّل واحداً من أخطر التحديات أمام أي عملية مستقبلية لإعادة بناء الدولة، لأنه يتعلق بترميم الوعي الجمعي واستعادة صورة الجيش كحامٍ.










