هل تُقاس شرعية الأكثرية في المجتمعات بمعيار الطائفة والعرق والدين، أم تُقاس بمعيار الأحزاب والنقابات والمصالح الاقتصادية والثقافية؟
هذا السؤال ليس نظرياً بحتاً، بل يُشكّل جوهر معركة بناء الدولة الحديثة. فبين أن تكون الأكثرية انعكاساً لانقسامات ما قبل الدولة، أو أن تكون نتاجاً لخيار سياسي–مدني، تتحدد ملامح الاستقرار أو الانقسام، النهضة أو الانهيار.
الأكثرية الهوياتية: طريق مسدود
في العديد من الدول، تُختزل السياسة إلى لعبة أرقام بين الطوائف والإثنيات. وهنا، يصبح الانتماء قَدَراً يولد به الفرد، لا خياراً سياسياً يختاره.
هذا النموذج، الذي يمكن وصفه بـ”الأكثرية الهوياتية”، قاد عدداً من الدول إلى الشلل والصراع. فلبنان ظلّ أسيراً لمحاصصة طائفية حالت دون أي إصلاح حقيقي، بينما انزلق العراق بعد عام 2003 إلى حروب أهلية دموية، حين تحوّلت الأكثرية الديموغرافية إلى أداة للهيمنة السياسية. أما البوسنة ورواندا، فقد قدّمتا المثال الأشد قسوة على مأساة تطييف الأكثرية، حيث تحوّل الصراع الهوياتي إلى إبادة جماعية. وفي سوريا، هناك من يسعى لجرّ البلاد في هذا الاتجاه، معتقداً أن الاستقرار تحقق له، فيمارس ما مورس عليه سابقاً من إقصاء واستبدال، بعقلية تنتمي إلى ما قبل الدولة، بل وما دون الإنسانية.
وفي هذه النماذج، لم تكن السياسة ساحةً لتنافس البرامج، بل ميدانًا لترسيخ حدود الجماعات وتقاسم السلطة كغنيمة، مما حوّل الدولة إلى ساحة صراع دائم، وعطّل إمكانيات الإصلاح والتقدّم.
الأكثرية المدنية: قاعدة الدولة الحديثة
في المقابل، تتشكّل الأكثرية المدنية عندما تُبنى الحياة السياسية على أسس الأحزاب، والنقابات، والمصالح الاجتماعية–الاقتصادية. في هذا النموذج، تُقاس الأكثرية بالبرامج لا بالدم، وبالمصلحة لا بالهوية، حيث يصبح الانتماء السياسي فعل اختيارٍ حر، وليس نتاجاً لموروث عرقي أو ديني.
وتقدم التجارب الدولية شواهد واضحة على فاعلية هذا النموذج. فقد أعادت أوروبا الغربية بناء ذاتها بعد الحرب العالمية الثانية عبر ديمقراطية حزبية، استبدلت الانقسام الديني–القومي بالانقسام السياسي بين “يمين ويسار” أو “ليبرالي ومحافظ”. وفي الهند، على الرغم من فسيفسائها الدينية واللغوية، حافظت البلاد على استقرارها كأكبر ديمقراطية في العالم بفضل آليات حزبية مكّنت من تشكيل أغلبيات سياسية متغيرة. أما جنوب أفريقيا، فقد تجاوزت جحيم الفصل العنصري عندما نجحت القوى النقابية والسياسية في بناء أكثرية مدنية جامعة، بدلاً من حصر الصراع بين السود والبيض.
البُعد الأخلاقي والحضاري
الفرق بين النموذجين لا يقتصر على البُعد السياسي، بل يمتد إلى المستوى الأخلاقي والحضاري. في النموذج الهوياتي، يُسلَب الفرد حقه في الاختيار الحر، لأنه يُعرَّف مسبقاً بهويته الطائفية أو العرقية، مما يقوّض مبدأ المواطنة ويُكرّس التبعية والانغلاق. أما في النموذج المدني، فيُعامل المواطن كفرد مستقل، قادر على اتخاذ قراراته السياسية بناءً على قناعاته ومصالحه، لا على أساس هويته الوراثية.
وقد حذّر المفكر الهندي أمارتيا سن من “سجن الهوية الواحدة”، معتبرًا أن حصر الإنسان في عِرقه أو طائفته يهدد حريته، ويحول دون تحقيق فرديته. كما شدد عالم الاجتماع أرنست غلنر على أن الانتقال من “القبيلة” إلى “الأمة” هو شرط أساس لبناء مجتمع حديث ومتماسك، يضع مصلحة الفرد والمجتمع فوق اعتبارات الانتماء الضيق.
أيّ نموذج أصلح لمستقبلنا كسوريين؟
إن الدروس المستخلصة من تجارب الشعوب واضحة وجلية. فالأكثرية الهوياتية لا تقود إلا إلى التفكك، وهي وصفة جاهزة لحروب أهلية أو أنظمة محاصصة عاجزة عن الفعل والمساءلة. في المقابل، وحدها الأكثرية المدنية قادرة على إنتاج استقرار سياسي حقيقي، وإتاحة التغيير السلمي، وبناء دولة قادرة على احتضان جميع مواطنيها من دون تمييز أو إقصاء.
الأمم التي نجحت في بناء ديموقراطية مستقرة لم تفعل ذلك عبر إحصاء الرؤوس في الطوائف أو العشائر، بل عبر تحويل الأكثرية إلى نتاج للعمل السياسي، والنقابي، والاقتصادي. وحدها الأكثرية المدنية تجعل من الدولة بيتًا للجميع، وتحوّل التعددية من لعنة إلى مصدر قوة. أما الأكثرية الهوياتية، فهي فخّ يعيد إنتاج الماضي، ويغلق الطريق أمام مستقبل وطني جامع.










