لا شك أن التحول الجذري الذي شهدته سوريا مؤخرًا خلّف ارتدادات واسعة، لا سيما في المجال الاقتصادي، الذي يشهد انفتاحاً غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث. فقد بدأت بوادر هذا التحول من تدفّق الاستثمارات الخارجية الكبرى، وصولاً إلى تنشيط الحركة الاقتصادية الداخلية. كل ذلك يؤشّر إلى أن الاقتصاد السوري بصدد الانتقال إلى مرحلة جديدة، قد تجعل منه لاعباً فاعلاً في شرق المتوسط، الذي لطالما اتّسم بعدم الاستقرار السياسي. وربما يسهم الاقتصاد السوري بدور أكبر في ترسيخ الاستقرار السياسي، ضمن بيئة تتيح للمواطنين العيش بسلام وأمان.
استثمار في التكنولوجيا الرقمية
شهد “منتدى الاستثمار السوري السعودي”، الذي انطلق في 25 يوليو/تموز الماضي، توقيع عدد من الاتفاقيات بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 6.4 مليار دولار، وهي تُعدّ الصفقة الأكبر في سوريا منذ أكثر من عقد. لكن اللافت في هذه الاتفاقيات توقيع عقد في مجال الأمن الرقمي (السيبراني)، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدّية: هل تشهد سوريا قريبًا نقلة نوعية في المجال الرقمي؟
يوضح الخبير الرقمي الأستاذ أمير ددك، في حديث خاص لـ”963+”، أن “الاستثمار في التكنولوجيا يُعدّ من أكثر القطاعات نمواً في العالم، خصوصاً مع التقدّم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وارتفاع العوائد مقارنة بقطاعات أخرى. إلا أن نجاح هذه الاستثمارات يتطلّب بنية تحتية متطورة ومتكاملة. ومن هنا، تدرك الحكومة السورية أن الأمن السيبراني يُعدّ ركيزة أساسية في هذا القطاع، وتسعى إلى تطويره لتهيئة الأرضية المناسبة للتكنولوجيا الحديثة”.
وحول أسباب توجه السعودية نحو الاستثمار في الأمن السيبراني داخل سوريا، يشير ددك إلى أن “الرياض تخطو خطوات متسارعة نحو المستقبل التكنولوجي، وقد ضاعفت استثماراتها في هذا المجال بشكل كبير. وهي تنظر إلى سوريا كسوق واعد، عطش للاستثمار الرقمي، ولذلك وقّعت اتفاقية بقيمة 1.6 مليار دولار لتطوير قطاع الأمن السيبراني، وهو ما يشكّل حافزاً قوياً للنهوض بهذا القطاع الذي عانى من دمار واسع خلال السنوات الماضية. وتطمح السعودية لأن تكون هي الرافعة الأساسية لهذا القطاع في سوريا”.
محطة تاريخية
يُعدّ “منتدى الاستثمار السوري السعودي” محطة تاريخية في مسار الاقتصاد السوري، خصوصًا على الصعيد الرقمي. ووفقًا لمهندس المعلومات أحمد الصايغ، فإن “الاستثمارات المباشرة في قطاع الاتصالات، وتوقيع اتفاقيات مع شركات سعودية كبرى مثل STC وElm، سيسهم في تحديث شبكات الاتصالات القديمة في العاصمة دمشق، وتوسيع شبكات الألياف الضوئية، ودعم مشاريع الجيل الخامس (5G) التي تفتقر إليها سوريا حاليًا بشكل كبير. وهذا من شأنه أن يجعل دمشق أكثر جاذبية للشركات الناشئة، محليًا ودوليًا، وأن يحولها إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا”.
ويضيف الصايغ في حديثه لـ”963+” كون السعودية دولة متقدمة تكنولوجياً، فمن المهم أن تتضمّن الاستثمارات الجديدة برامج لتأهيل وتدريب الكوادر السورية في المجال الرقمي. هذا من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في رقمنة مؤسسات القطاعين العام والخاص، ويخلق فرص عمل للشباب السوري، الذي يفكّر اليوم بالهجرة، لكنه قد يعيد النظر إذا توفرت بيئة عمل تكنولوجية متقدمة. فوجود مثل هذه الاستثمارات قد يكون دافعًا حقيقيًا لبقاء العقول السورية في الداخل، والمساهمة في بناء مستقبل تقني متطور للبلاد خلال فترة قصيرة”.
رهان على الشباب
إن نهوض سوريا بهذا الزخم الاستثماري العربي ليس أمراً بعيد المنال، إذا ما تم العمل بجدية على إصلاح ما دُمّر خلال السنوات الماضية. ويُعوَّل اليوم على طاقات الشباب الشغوفين بالتكنولوجيا الحديثة، باعتبارهم رأس الحربة في هذه المرحلة الجديدة. ويبدو أن هذا القطاع سيكون الأوسع والأكثر نجاحاً، نظراً للتوجّه المتزايد نحو التقنيات الحديثة، التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياة كل فرد في المجتمع السوري.










