الجيل الذي تجاوز الأربعين من العمر لا بدّ أنه يتذكر ما كان يُطلق عليه اسم “استديو بحبش”، وهي كاميرا محمولة على ثلاث قوائم خشبية، مذيلة بكيس قماشي كبير، ظلّت منتشرة في شوارع دمشق حتى منتصف التسعينيات. وكان الدمشقيون يطلقون عليها هذا الاسم مازحين، لأن المصوّر كان يدخل رأسه في الكيس القماشي لالتقاط الصورة، فيبدو وكأنه “يبحبش” أو يبحث عن الصورة داخل الكيس.
أما اليوم، فقد باتت الصورة شيئًا مختلفًا تمامًا. ففي الآونة الأخيرة، انتشرت في أحياء دمشق القديمة والساحات الرئيسية، كساحة الأمويين وساحة المسجد الأموي، ظاهرة المصورين المحترفين الذين يعرضون خدماتهم لمن يرغب في الحصول على صور عالية الجودة، باستخدام أحدث الكاميرات، ووضعيات مدروسة، بهدف نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام، مقابل مبالغ مالية يتم الاتفاق عليها.
اقرأ أيضاً: المخرج زهير قنوع لـ”963+”: علينا الإصرار على حرية التعبير في الفن – 963+
“أنتَ نفسك لن تعرف أن هذه صورتك”
دمعت عينا “أبو فراس الديراني” (70 عاماً) عندما تذكر تلك الأيام، ويقول لـ”963+”: “لم نكن نعتمد على استديو بحبش في الصور التذكارية التي نؤطرها ونعلقها على الجدران. كنا نلجأ إلى استديوهات التصوير المعروفة لتلك المناسبات. أما بحبش، فكنا نقصده عند الحاجة إلى صورة شخصية مستعجلة لإنجاز معاملة إدارية ما. غالباً ما تجد مصوّرين يقيمون ستارة على جدار قرب الدوائر الحكومية ويصورونك بسرعة، دون عناية أو احتراف. وكانت هذه الصور تُلتقط على عجل، وغالبًا ما تبدو عشوائية، لدرجة أنك قد لا تتعرف على نفسك فيها! وإن وُضعت على بطاقة تعريف، تجد من يضحك ويقول فورًا: (بحبش!)”.
محاليل كيميائية وظلام تام
قبل الثورة الرقمية، كان التصوير الضوئي يمر بمراحل معقدة. يروي “أحمد الشريف” (60 عاماً) لموقع +963 تجربته قائلاً: “عملت مصورًا في استديو (غرناطة) في ساحة المرجة، أحد أقدم استديوهات التصوير في دمشق، قبل أن يُغلق قبل سنوات. كنا نستخدم أفلامًا بلاستيكية تُركب داخل الكاميرا في الظلام، وتمر الصورة بمراحل عدة: أولاً توضع في سائل حمضي يُعرف بـ(المطوّر) لتحويل الفيلم إلى صورة سالبة (نيغاتيف)، ثم في سائل (المثبّت) لإزالة بقايا نترات الفضة، مما يمنع تلاشي الصورة، ثم تُغسل وتُجفف وتُطبع. اليوم، تغيّر كل شيء. الصورة تُلتقط رقمياً وتُنشر فوراً على الإنترنت. لم يعد أحد يطبع الصور إلا نادراً”.
مصور بالإحراج… ثم بالعشق
يقول “محي الدين كاظم” لـ”963+”: “منذ نحو خمس سنوات، كنت أحضر أمسية شعرية في أحد مقاهي دمشق القديمة، وطلبت مني إحدى الصديقات أن ألتقط لها صورة وهي على المنبر. وافقت على مضض. في اليوم التالي، حين رأيت الصور التي التقطتها تنتشر على مواقع التواصل، شعرت بفخر غريب. كأنني اقتنصت لحظة استثنائية لم يرها أحد سواي، وأردت أن أشاركها مع الآخرين. بعد ذلك، وجدت نفسي ألتقط الصور تلقائيًا، وشيئًا فشيئًا بدأت الدعوات تصلني لتصوير فعاليات، وطلبت من شقيقتي في أمريكا أن ترسل لي كاميرا احترافية. ومن حينها، بدأت أتعلّم من المصورين المحترفين وأراقب زواياهم… ومنهم تعلّمت الكثير”.
الكاميرا وحدها لا تكفي
يضيف كاظم: “الكاميرا مهمة، لكنها بلا قيمة إن لم تُستخدم بشكل صحيح. الصورة لا تعتمد فقط على جودة الكاميرا أو دقة العدسة، بل على الزاوية والضوء وتوقيت الالتقاط. القصة الحقيقية تكمن في روح المصور، في إحساسه باللحظة التي يريد توثيقها”.
“الموفّر” أو الجندي المجهول
يتحدث كاظم عن التصوير كهواية وليس كمهنة، ويقول: “في السنوات الأخيرة، أصبحت معروفًا في الفعاليات الثقافية والإنسانية، ولم أطلب أجرًا مقابل صوري. أفعل ذلك لأنني أحب هذا العمل. حتى الصحف الرسمية، ومنها وكالة (سانا) قسم الثقافة، أصبحت تطلب مني صورًا حصرية، وأقدمها لهم دون مقابل. لذلك أطلقوا عليّ لقب (الموفّر) وأحيانًا (الجندي المجهول)”.
اقرأ أيضاً: النشر في سوريا.. ركود وكتب متراكمة – 963+
“بحبش” المعاصر
في حي القيمرية، ينتشر شباب يحملون كاميراتهم وينادون المارة: “صورة؟”. الأمر يعيد إلى الذاكرة مشهد “استديو بحبش” القديم، لكن بروح جديدة. أحد هؤلاء الشباب هو غيث رداوي، في العشرين من عمره، يقول لـ “963+”: “تركت المدرسة قبل عامين بسبب ظروف صعبة، وكنت في الصف الحادي عشر. تنقلت بين مهن عديدة، إلى أن لاحظت أن كل من التقطت له صورة أحبّها. رأيت شبابًا يصورون الزبائن في أحياء الشام القديمة مقابل أجر، فاشتريت كاميرا وانضممت إليهم. أحببت هذا العمل، لأنه يمنحني حرية الوقت، أعمل حين أريد وأرتاح حين أشاء”.
وعن دخله، يقول رداوي: “نتقاضى عشرة آلاف ليرة سورية مقابل الصورة بعد تعديلها على الفوتوشوب. ألتقط ما بين 10 إلى 20 صورة يوميًا، وهذا يكفيني حاليًا، لكنني أطمح لتطوير نفسي والخضوع لدورات تدريبية كي أصبح مصورًا محترفًا”.
مهنة ممنوعة
الساحة المقابلة لمسجد بني أمية الكبير كانت تعج بالمصورين وحوامل الكاميرات، خصوصًا في المساء، حيث يستخدمون معدات إضاءة بسيطة. لكن خلال زيارتنا الأخيرة للمكان، كانت الساحة خالية تمامًا. سألنا أحد عناصر الأمن العام، فيجيب: “تمّ منع تواجد المصورين هنا بسبب كثرة الشكاوى، خاصة من نساء تظهر صورهن دون رغبة منهن، بالإضافة إلى عرقلة حركة المارة. في النهاية، هذه الساحة تُعد جزءًا من حرم المسجد، ولا يمكن أن تصبح مصدرًا للمشاكل”.
هل تغيّرت الصورة؟ يجيب: “نعم، تغيّرت التقنية، وتغيّرت أدوات الالتقاط، وربما تغيّرت النظرة إلى الصورة نفسها. لكنها ما زالت تحمل معناها الأهم: حفظ اللحظة، وتوثيق ما لا يمكن للذاكرة وحدها أن تحتفظ به”.










