تعاني دور النشر في سوريا من حالة جمود شبه تام في المبيعات داخل السوق المحلية، وذلك لأسباب عدة، من أبرزها الارتفاع الكبير في أسعار الورق والكرتون وأحبار الطباعة، ما يجعل تكلفة إصدار الكتب مرتفعة جدًا مقارنة بقدرة القارئ الشرائية.
وقد شهدت دمشق في السنوات الأخيرة إغلاق عدد من المكتبات العريقة مثل مكتبة ميسلون، والمكتبة العمومية، ومكتبة بيسان، ونوبل وغيرها، ما أثار موجة أسف كبيرة في أوساط المثقفين على منصات التواصل الاجتماعي. ولم يتبقَ في دمشق اليوم سوى خمس مكتبات لبيع الكتب.
اقرأ أيضاً: بوابة دمشق”.. مشروع فريد ومتميز – 963+
تحديات كبرى تواجه دور النشر
يختصر سعيد البرغوثي، مدير دار كنعان للطباعة والنشر والتوزيع، والذي يُلقب بـ”شيخ الكار” من قبل أصحاب دور النشر، واقع الحال بقوله لـ”963+”: “نحن لا نبيع كتباً بما قيمته عشرة دولارات طوال العام، ولولا مشاركتنا في المعارض الخارجية لتوقفنا عن النشر تماماً”.
أما أميرة الكردي، المديرة التنفيذية لدار سوريانا، فترى أن التحديات كبيرة، وتشمل ضعف التمويل، وارتفاع تكاليف الطباعة، وضعف شبكات التوزيع، إضافة إلى البيروقراطية والرقابة.
وتقول الكردي لـ”963+”: “الكتاب يُكتب في بغداد، ويُطبع في بيروت، ويُقرأ في دمشق”، في إشارة إلى ما كان عليه حال صناعة النشر العربي سابقاً، حيث كانت بغداد منجم الأفكار، وبيروت مركز الطباعة الحرة، ودمشق مدينة القارئ النهم. لكن اليوم، تغير المشهد كثيرًا؛ إذ ما تزال دور النشر تعمل بجهود فردية دون أي دعم من الجهات الرسمية، كما أن اتحاد الناشرين بعيد تماماً عن واقع دور النشر، مما ينعكس سلبًا على جودة واستمرارية الإنتاج الثقافي.
خطوة تنظيمية مهمة… ولكن!
توضح الكردي أن سوق الكتب المستعملة، رغم أنه يتيح للقراء الوصول إلى الكتب بأسعار منخفضة، إلا أنه ينعكس سلباً على مبيعات الكتب الجديدة، ويضر بدور النشر والمؤلفين.
وعن الرقابة، تقول: “الرقابة تغيرت شكليًا بعد سقوط النظام، لكنها لا تزال قائمة بأشكال أخرى، مثل الرقابة الذاتية والخوف من تجاوز الخطوط الحمراء الدينية أو السياسية، ما يحد من حرية النشر”.
وبشأن الشروط الجديدة لترخيص دور النشر، ترى الكردي أنها رغم كونها خطوة تنظيمية مهمة، إلا أنها لم تحقق الطموح المنشود، بسبب غياب الدعم الحقيقي للصناعة، وضعف البنية التحتية المرافقة، مثل المعارض، والتوزيع، وحماية حقوق النشر.
وتشير إلى أن الخلاف لا يزال قائمًا بين دور النشر ووزارة الإعلام حول مبالغ التراخيص المرتفعة وتجديدها، وتضيف: “نأمل أن يتم التوصل إلى حل يراعي أوضاع دور النشر والسوق وقدرة القارئ الشرائية، فصناعة النشر في سوريا ما زالت بحاجة إلى رؤية ثقافية شاملة تدعم الكاتب والناشر والقارئ، لتحقيق نهضة فكرية حقيقية”.
مكتبة أبو عبدو البغل: الكتب تنتقل إلى الإنترنت
في ظل هذه التحديات، نشطت حركة بيع الكتب عبر الإنترنت، مدفوعة بتطور التكنولوجيا وتوسع استخدام التطبيقات. ومن بين هذه المبادرات قناة “مكتبة أبو عبدو البغل” على تليغرام، التي تتيح تحميل عدد كبير من الكتب بصيغة PDF. كما تنتشر على فيسبوك العديد من الصفحات والمجموعات التي تروج لبيع الكتب الجديدة والمستعملة.
يقول عصام عبود، مؤسس صفحة “دكان الكتب”، لـ”963+”: “لقد بات لدينا أعراف وأخلاقيات خاصة ضمن هذا السوق الإلكتروني. فمثلًا، يكفي أن يكتب الزبون كلمة (حجز) على صورة الكتاب، ليقوم البائع بمراسلته وتحديد موعد التسليم. وهناك عرف آخر بعدم التقليل من قيمة الكتاب، حتى وإن لم يعجب البعض، ما يسهم في بيئة تداول محترمة وميسرة، حتى لمن هم خارج البلاد”.
اقرأ أيضاً: وزارة الثقافة تطلق الدورة الخامسة من مسابقة النصوص المسرحية للشباب السوري – 963+
الكتب المزوّرة: وجه آخر للبيع الإلكتروني
يشير عبود إلى أن البيع الإلكتروني ليس سهلاً كما يبدو، إذ يتعرض البائعون أحيانًا لعمليات احتيال. ويشرح قائلاً: “في بعض الحالات، يرسل البائع الشحنة ويتحمل تكاليفها، ثم يرفض المشتري استلامها لأسباب واهية، أو قد يقوم بحظره نهائيًا، مما يضطره لدفع أجور إعادة الشحنة. كما أن هناك أعباء صحية، بسبب نقل الكتب لمسافات طويلة لتسليمها شخصياً”.
ويضيف أن البيع الإلكتروني، رغم أنه وفر فرص عمل للبعض، إلا أنه أدى إلى انتشار واسع للكتب المزوّرة أو الطبعات الرديئة، ما يجعل القارئ عرضة للاستغلال. ويختم بالقول: “بائع الكتب يجب أن يكون على دراية بمحتوى الكتب، ودور النشر، وجودة الطبعات، حتى لا يقع ضحية ولا يُوقع غيره في فخ الكتب المزورة”.
بيع الكتب عمل مستنزف
أما فادي حداد، وهو طالب في المعهد العالي للفنون المسرحية، فكان يبيع الكتب المستعملة على بسطة قرب المتحف الوطني، ويقول لـ”963+”: “أغلقت البسطة وتوقفت عن هذا العمل لأنه مرهق ومستنزف. قد تمر أيام متتالية دون بيع كتاب واحد، ناهيك عن التعرض للعوامل الجوية صيفًا وشتاءً، والخوف من السرقة، بالإضافة إلى الملاحقات المتكررة من دوريات المحافظة، التي ازدادت في الفترة الأخيرة”.
سوق الكتاب مهددة بالانقراض
يؤكد الفنان التشكيلي والكاتب باسم صباغ، المتخصص في تصميم أغلفة الكتب، أنه صمم نحو 5000 غلاف، لكنه يشير إلى تراجع واضح في سوق الكتاب السوري.
ويقول لـ”963+”: “في عام 2010 كنت أصمم نحو عشرة أغلفة أسبوعيًا، أما الآن فلا أُنجز أكثر من خمسة أغلفة شهريًا، وهذا فقط لدور النشر السورية. في الواقع، أعتمد في دخلي على التعاون مع دور نشر خارج سوريا، حيث المردود أفضل. ما يدفعني للاستمرار فقط هو الشغف، وصداقتي القديمة مع الناشر سعيد البرغوثي”.
ويتابع صباغ: “أصدرت مؤخرًا كتابي (سيرة ذاتية لكحولي واضح)، وأقمْت حفل توقيع وقدمت نسخًا منه هدية للقراء، لأن البيع شبه مستحيل. الحقيقة أن الجميع خاسرون في هذا السوق الظالم. وأخشى أن سوق الكتاب في سوريا بات مهدداً بالانقراض، لذا لا بد من خطة إنقاذ عاجلة لحماية الكتاب وصناعة النشر”.










