ثمة يقين بأن العديد من الالتباسات تحيط بالمفهوم السياسي للشرق الأوسط، سواء من حيث مجاله الجغرافي أو الدول التي تدخل ضمن نطاقه، منذ الاستخدام الأول لهذا المصطلح مطلع القرن العشرين. ومع ذلك، تُعد هذه المنطقة، بمجملها، إحدى أكثر مناطق العالم توترًا، وتشكل عتبة مهمة وضرورية في بلورة التصور المتخيَّل لـ”مشروع الشرق الأوسط الجديد”.
ولا يمكن مناقشة هذا المفهوم المتحوّل منهجيًا دون التعمّق في تلك المحاولات الممتدة عبر عقود، لاسيما بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، واتفاقيات عام 1974 بين مصر وإسرائيل، وسوريا وإسرائيل أيضًا، والتي كانت تهدف، بشكل أو بآخر، إلى دمج إسرائيل في المنطقة. إلا أن المشروع الجديد يتجاوز مجرد الدمج أو تحقيق الأمن والاستقرار، ليبلغ مستوى متقدمًا من الهيمنة وبسط النفوذ ضمن ما يُعرف بـ”الشرق الأوسط الجديد”.
وقد بدأت ملامح هذا المشروع بالتبلور ميدانيًا على نحو متكرر، لا سيما مع تراكم تداعيات السابع من أكتوبر 2023 على الأذرع الإقليمية التابعة لإيران، خاصةً مع الضغط من أجل تقويض “حزب الله”، ونزع سلاحه ودمجه في الدولة اللبنانية. كذلك برزت تطورات نوعية مثل سقوط نظام بشار الأسد، واستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع في العاصمة السعودية الرياض، ورفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا. وتشير هذه التطورات إلى احتمال وجود اتفاق أمني عميق مع تل أبيب، قد يُتوَّج لاحقًا باتفاق سياسي شامل.
من هذا المنطلق، يبدو أن هناك تماهيًا بين مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” وبين تموضع إسرائيل في هذه الجغرافيا السياسية، بما يضمن أمنها وحدودها، وتحويل بؤر التوتر إلى مناطق استقرار، من خلال الحضور والنفوذ الإسرائيلي. إلا أن المسار الطويل الذي قطعته واشنطن وتل أبيب منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، يفرض تحديات وقيودًا على تصوّر هذا النموذج.
اقرأ أيضاً: توم باراك يبحث الملف السوري مع ترامب وروبيو – 963+
علاقات استثنائية
وفي هذا السياق، يرى الكاتب السياسي ماجد كيالي أن “السيولة الميدانية لا تزال سِمةً بارزة في الشرق الأوسط، ما يقلل فرص التوصل إلى تسوية حقيقية خلال مفاوضات الدوحة بين حماس وإسرائيل”.
ويضيف كيالي، في حديثه لـ”963+”، أن مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” مرتبط بدرجة كبيرة بالعلاقة الاستثنائية بين الرئيسين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، والتي ظهرت جليًا خلال الزيارة الثالثة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة في الولاية الجديدة للرئيس ترامب.
ويشير كيالي إلى أن الرؤية الإسرائيلية، التي تتبنى شعار “السلام بالقوة”، لم تعد محل خلاف مع واشنطن، بل ثمة مؤشرات متزايدة على قناعة الإدارة الأمريكية بهذا التوجّه.
ويختتم كيالي حديثه بالتأكيد على أن ملامح “الشرق الأوسط الجديد”، الذي يضمن أمن إسرائيل، تُرسم اليوم بإرادة مشتركة بين واشنطن وتل أبيب، من خلال مفهوم “السلام بالقوة”.
من جانبه، يشير اللواء المصري المتقاعد ياسر هاشم إلى أن مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” لا يزال غامضًا إلى حد كبير، وأن هذا الغموض يعود إلى تباين وتناقض المصالح بين دول المنطقة من جهة، والقوى الدولية من جهة أخرى.
ويضيف هاشم، في حديثه لـ”963+”: “في تقديري، المشكلة لا تكمن في أمن إسرائيل بحد ذاته، بل في مساعي تل أبيب لفرض مشروعات التطبيع بالقوة، أو وفق شروطها الخاصة فقط، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تعطيل هذه المشاريع”.
ويضيف: “لقد قطعت إسرائيل شوطًا كبيرًا في تقويض خطر الأذرع العقائدية لإيران في لبنان وسوريا، فضلًا عن مسار المفاوضات الذي بدأته مع نظام الرئيس أحمد الشرع في سوريا، والضغوط المتزايدة لنزع سلاح حزب الله، إلى جانب سعيها الحثيث لتقويض حركة حماس في قطاع غزة”.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن إسرائيل تتحرك في مسارات متعددة لتحقيق أمنها، سواء عبر عملياتها العسكرية المباشرة في لبنان وسوريا، أو من خلال الهجمات المتبادلة مع إيران، وإبراز قوتها، أو عبر السعي لإبرام اتفاقيات تطبيع مع دول عربية لم تُبرِم معها اتفاقيات مماثلة حتى الآن، خاصة سوريا والمملكة العربية السعودية.
أمن إسرائيل
في المقابل، يرى ديفيد دي روش، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أنه لا يوجد تصور حكومي واضح لشرق أوسط جديد، ولكن ثمة أحداث قد تُسهم في تشكيله. ويؤكد أن القضاء على وكلاء إيران في المنطقة يُعد عاملًا أساسيًا؛ إذ كان من المعتاد، حتى الخريف الماضي، أن يتباهى القادة الإيرانيون بنفوذهم في عدد من العواصم العربية، أما اليوم، فقد تلاشى ذلك الزخم.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي: رؤية واشنطن تتضمن تطبيعاً تدريجياً بين سوريا وإسرائيل – 963+
ويتابع دي روش، في حديث خاص لـ”963+”: “أمن إسرائيل يُعد أمرًا حتميًا بالنسبة للإسرائيليين، غير أن نظامهم السياسي يشجع على تشكيل تحالفات مشتتة، ما يمنع التعامل بجدية مع القضية الفلسطينية. فتل أبيب تريد تصوير الفلسطينيين كمتمردين، وتسعى إلى المضي قدمًا في مسار التطبيع، لكنني لا أعتقد أن ذلك ممكن في الوقت الراهن”.
من جهته، يقول الباحث في الشأن الأميركي والعلاقات الدولية كمال الزغول، إن فكرة هنري كيسنجر بشأن “الشرق الأوسط الجديد” فشلت فشلًا ذريعًا، ولم تحقق أهدافها على الإطلاق. وأضاف، خلال تصريحاته لـ”963+”: “إذا كانت نية كيسنجر ضمان أمن إسرائيل من خلال السلام، فإننا اليوم نعود إلى نقطة الصفر”.
ويشير الزغول إلى أن وجود اتفاقات سلام، سواء بين مصر وإسرائيل، أو الأردن وإسرائيل، وحتى اتفاقات أوسلو مع السلطة الفلسطينية، لم يمنع إسرائيل من العودة إلى تبني استراتيجية الضربات الاستباقية وشن عمليات عسكرية على مختلف الجبهات. وهذا، برأيه، يعكس فشل الاتفاقات والمسار السياسي الذي تبنّاه كيسنجر، لأن الإدارات الأمريكية طبّقت نظرياته بطرق متباينة.
ويتابع الزغول: “عندما نتحدث عن صورة جديدة للشرق الأوسط، فإننا بحاجة إلى تقدم حقيقي، لكننا شهدنا تراجعًا واضحًا. الولايات المتحدة لم تدعم علنًا نظرية كيسنجر القائمة على نشر الديمقراطية في العالم. كما لاحظنا جميعًا كيف سُمح لبشار الأسد بالبقاء في السلطة لفترة طويلة قبل أن تتم إزاحته، وفقًا للمصدر ذاته”.
ويصف الزغول المشهد الأمني بأنه “دائرة مغلقة تدور فيها إسرائيل، دون نهاية واضحة، وتعتمد على استراتيجيات الرؤساء الأمريكيين في كل مرحلة”.
وفي ختام حديثه، يؤكد الزغول أن النظام العالمي الذي دعا إليه كيسنجر لم ينجح، بل أضر بمصالح الولايات المتحدة الأميركية، وأتاح الفرصة لصعود الصين التي تمكّنت من تنفيذ مشاريعها، وعلى رأسها مبادرة “الحزام والطريق”، فضلًا عن توسعها في المجال الاقتصادي والصناعي، خصوصًا في صادرات الأسلحة والتحالفات الدولية الجديدة.
ويختتم الزغول قائلًا: “إسرائيل اليوم أقل أمنًا مما كانت عليه سابقًا، وتسعى لتبنّي سياسة أمنية ممنهجة قائمة على الضربات الاستباقية، وقد تصل أحيانًا إلى الصدام حتى مع الدول التي وقّعت معها اتفاقات سلام. فما بالك بالدول التي لم توقّع بعد؟”
ويختم بالإشارة إلى أن “الشرق الأوسط ليس الهدف الوحيد في هذا العالم، بل هو جزء من استراتيجية أميركية أوسع، وهو ما يعزز لدى بعض الدول مبدأ الصبر الاستراتيجي”.










