تتواصل الاشتباكات في محافظة السويداء جنوب سوريا، على الرغم من الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار يهدف إلى تهدئة الأوضاع وتقديم الدعم للمدنيين الذين يعيشون في ظل حالة من التوتر والعنف منذ نحو أسبوع.
وقد أُعلن عن هذا الاتفاق من قبل المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، بعد سلسلة من الأحداث التي شملت اتفاقات سابقة لم تصمد، وعمليات انسحاب للقوات الحكومية من المحافظة، وسط تدهور أمني تخللته حوادث عنف ذات طابع طائفي، في ظل غياب ملحوظ لمؤسسات الدولة.
ورغم محاولات التهدئة، لا تزال أصوات الاشتباكات تُسمع في المدينة، في ظل غياب ضمانات حقيقية لتنفيذ الاتفاق، واستمرار المواجهات بين فصائل مسلحة محلية من الطائفة الدرزية ومجموعات عشائرية عربية.
بدأت جولة التصعيد الأخيرة عندما دخلت مجموعات مسلحة من خارج المحافظة إلى أحياء في السويداء، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات مع الفصائل المحلية، تزامناً مع انسحاب الجيش السوري وقوى الأمن من المدينة. وتناقلت وسائل الإعلام والمصادر المحلية أنباء عن انتهاكات شملت عمليات قتل ميداني وحرق منازل.
في غضون يومين، تصاعدت أعمال العنف، ترافق معها انتشار خطاب تحريضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تداول مقاطع مصورة تتضمن مشاهد قتل وتمثيل بالجثث، ما زاد من حدة التوتر وعمّق الشعور بالقلق حيال مستقبل الأوضاع.
الاتفاق الذي أُعلن عنه بوساطة دولية بين الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نصّ على إعادة فرض الأمن وفضّ الاشتباكات. ومع ذلك، لم تنجح تلك الجهود في وقف القتال بالكامل، حيث استمرت المواجهات، رغم بدء انتشار قوى الأمن السورية مجدداً في بعض المناطق.
اقرأ أيضاً: التصعيد العسكري في السويداء: جذور الأزمة وتداعياتها الإقليمية
وفي هذا السياق، حذر رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر العربية في سوريا، مضر حماد الأسعد، من “أطراف تسعى لإفشال الاتفاق بين الحكومة وشيوخ الطائفة الدرزية”، مشيراً إلى وجود تدخلات خارجية تؤثر على مسار الأحداث.
من جانبه، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع بياناً أكد فيه أن “الدولة وحدها مسؤولة عن فرض الأمن”، وشدد على أن ما يحدث في السويداء لا يُمثّل الطائفة الدرزية ككل، بل مجموعات خارجة عن القانون. كما أشار إلى وجود “دعوات دولية للتدخل” دون تحديد الجهات المعنية.
في المقابل، رد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على خطاب الشرع، واعتبره “غير واقعي”، متهماً الحكومة السورية بدعم جماعات مسلحة. ودعا إلى ربط عودة سوريا إلى الساحة الإقليمية بضمان حقوق الأقليات.
وفي خطوة تهدف إلى تهدئة الوضع، أعلنت الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية عن إقامة حواجز أمنية على مداخل السويداء، وطالبت بوقف الأعمال القتالية، محذرة من تحمّل المسؤولية الكاملة عن أي خرق للاتفاق.
ورغم هذه المساعي، تواصلت الاشتباكات، وتداول ناشطون عبر الإنترنت مشاهد لمنازل محترقة وجثث في الشوارع، في ظل موجة نزوح من مناطق الاشتباك.
قائد قوات “شيخ الكرامة”، ليث البلعوس، اتهم جهات خارجية بمحاولة إدخال أبناء الطائفة الدرزية في صراعات لا صلة لهم بها، داعياً إلى وحدة وطنية شاملة، محذراً من انتقال حالة العنف إلى مناطق أخرى من البلاد.
اقرأ أيضاً: الحكومة السورية وإسرائيل.. مفاوضات سرية واشتراطات متبادلة
بنود الاتفاق: بدون ضمانات واضحة
كشفت مصادر في وزارة الداخلية السورية عن أن الاتفاق الأخير يتضمن نشر قوى الأمن الداخلي في الريفين الغربي والشمالي من السويداء، وفتح معابر إنسانية، منها بصرى الحرير وبصرى الشام. ومع ذلك، أشارت المصادر إلى أن التنفيذ قد يستغرق وقتاً، ما يثير مخاوف من تصعيد جديد.
خلال مؤتمر صحفي، صرّح وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، أن بيان الرئاسة الروحية تضمن “صياغات قد تُفسر على أنها تحريض على التهجير”، وأكد على أن الدولة مسؤولة عن حماية جميع المواطنين، مشدداً على أن ما يحدث هو نتيجة فوضى ممتدة منذ أشهر، وليست حملة عسكرية منظمة.
في موازاة ذلك، شارك وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في مباحثات ثلاثية في الأردن ضمت أيضاً نظيريه الأردني أيمن الصفدي والأميركي توماس باراك، وناقشت سبل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. وتم الاتفاق على دعم تطبيق بنود الاتفاق، بما يشمل إطلاق سراح المحتجزين، إدخال المساعدات الإنسانية، وتعزيز جهود المصالحة والسلم الأهلي.
اقرأ أيضاً: العلاقات السورية الأردنية.. كل أزمة على حدة
الوضع الإنساني
تشير إحصاءات المنظمات الدولية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. فبحسب المنظمة الدولية للهجرة، نزح أكثر من 80 ألف شخص منذ 13 يوليو/تموز، بينما وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 321 شخصاً، من بينهم نساء وأطفال.
وفي تصريح رسمي، ذكر وزير الطوارئ السوري، رائد الصالح، أن 8000 نازح فروا إلى محافظة درعا، في ظل تدهور حاد بالخدمات الأساسية. وفي المقابل، أعلنت إسرائيل عن تقديم مساعدات إنسانية للطائفة الدرزية بقيمة 700 ألف دولار، وهو ما اعتبره بعض المراقبين محاولة لاستثمار الأزمة سياسياً.
من جهتها، دعت المملكة العربية السعودية إلى وقف الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع حكومية سورية خلال الأسبوع الماضي.
وسط هذه التطورات، عبّر بعض القادة المحليين عن مخاوف من أن تؤدي الأحداث الجارية إلى نزاع طويل الأمد، خاصة في ظل غياب واضح لحلول سياسية شاملة. رئيس عشائر الجنوب السوري، راكان الخضير، صرح بأن العشائر قد “تتولى زمام الأمور” في حال عدم تدخل الدولة، في إشارة تنذر بإمكانية تصاعد النزاع إلى ما يشبه الحرب الأهلية.
رغم بدء انتشار القوى الأمنية السورية على أطراف المدينة، تظل الاتهامات بالتواطؤ حاضرة، خصوصاً بعد الانسحاب المفاجئ الأسبوع الماضي. وبينما تُعلَن اتفاقات جديدة لوقف القتال، تبقى الأحداث على الأرض متأرجحة، مع استمرار السيطرة غير الرسمية للمسلحين على قرى بأكملها.
ومع تفاقم الأزمة، تبقى محافظة السويداء أمام مفترق طرق حاسم، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت الدولة قادرة على استعادة الاستقرار، أو أن المنطقة مقبلة على تحولات جذرية في موازين القوى جنوب سوريا.










