تحدثت مصادر ديبلوماسية في دمشق عن عقد لقاء سري بين مسؤولين من سوريا وإسرائيل في العاصمة الأذربيجانية باكو، على هامش زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي زار باكو السبت الماضي، في زيارة رسمية تخللها اجتماع مع نظيره الأذربيجاني إلهام علييف.
وأفاد مصادر بأن اللقاء السوري-الإسرائيلي جرى دون مشاركة الشرع، وركز على “الوجود العسكري الإسرائيلي المستحدث” في جنوب سوريا، في إشارة إلى المناطق التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام بشار الأسد قبل سبعة أشهر.
ورغم عدم إعلان دمشق رسميًا عن محادثات مباشرة مع إسرائيل، فإن السلطات السورية الحالية أقرت سابقًا بإجراء مفاوضات غير مباشرة بهدف احتواء التصعيد، خاصة بعد سلسلة الغارات الإسرائيلية على مواقع سورية. كما تربط دمشق هذه المفاوضات بالعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والتي تنص على وقف الأعمال القتالية وإشراف قوات أممية على المنطقة الفاصلة.
وجاء اللقاء السري بالتزامن مع زيارة الشرع إلى أذربيجان، حيث أعلن البلدان عزم باكو تصدير الغاز إلى سوريا عبر تركيا، في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي، وأكد بيان رئاسي أذربيجاني أن الاجتماع بين علييف والشرع ناقش أيضًا إعادة إعمار سوريا.
فيما أعربت إسرائيل عن اهتمامها بتطبيع العلاقات مع سوريا ولبنان، كما صرّح وزير خارجيتها جدعون ساعر، اعتبر مصدر سوري رسمي أن الحديث عن اتفاق سلام “سابق لأوانه”، مشترطًا انسحاب إسرائيل من الجولان المحتل والالتزام باتفاقية 1974.
ويأتي الاجتماع في سياق تصريحات للمبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك، الذي أكد مطلع تموز/يوليو أن “حوارًا بين سوريا وإسرائيل قد بدأ”، وكذلك بعد لقاء جمع الشرع بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في أيار/مايو الماضي، حيث أبدى الأول انفتاحًا على التطبيع “حال استقرار الأوضاع”.
باكو أول الخطوات
رغم المحادثات، لا تزال سوريا وإسرائيل رسمياً في حالة حرب، فيما تواصل دمشق دعوة المجتمع الدولي للضغط على تل أبيب لوقف هجماتها. وتُعتبر باكو منصة متكررة للاجتماعات الإقليمية، بعدما استضافت مؤخرًا محادثات إسرائيلية-تركية لتنسيق المواقف في سوريا.
تقول الدكتورة سماهر الخطيب، أستاذة متخصصة في العلاقات الدولية والديبلوماسية، مقيمة في بيروت، لـ”963+”، إنه “لا شك أن لقاء باكو ليس الأول من نوعه بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، بل هو استكمال لعدة لقاءات سابقة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين”.
وتضيف أن ما يميز هذا اللقاء عن سابقاته هو ما تم التوافق عليه وفق ما تم تداوله من معلومات بين الطرفين، خاصة بما يتعلق بالتوافقات الأمنية والسياسية والديبلوماسية والطاقوية ووضع سوريا في مسار التطبيع أو بالأصح بمسار السلام مع إسرائيل.
اقرأ أيضاً: كيف تعيد سوريا رسم معادلتها مع إسرائيل؟
وتوضح أن ذلك يعني خضوع السلطات الانتقالية السورية للإرادة الأميركية وليس المطالب الأميركية، على اعتبار أن الولايات المتحدة قامت بما عليها من التزامات بما يتعلق برفع العقوبات (لو أنه رفع جزئي)، وبإلغاء اسم سوريا من قائمه الدول الراعية للإرهاب وبرفع اسم “هيئة تحرير الشام” من قائمة “الإرهاب”، وغيرها من الإجراءات التي وعدت بها مقابل الخطوات السورية، ويأتي على رأسها السلام مع إسرائيل وما يتضمنه هذا السلام من إجراءات تتعلق بالفصائل الفلسطينية في سوريا وعدم المقاومة وعدم تهديد “الأمن القومي الإسرائيلي”.
وترى أنه تم اختيار باكو لهذا اللقاء على اعتبار أنها الحديقة الخلفية لتركيا وهي الملعب الإسرائيلي في أوروبا الشرقية. كما أنها كانت ساحة وساطة للتفاوض التركي الإسرائيلي سابقاً حيث كانت الاجتماعات هناك لمنع الاصطدام والاحتكاك بين تركيا وإسرائيل كما حدث بين روسيا واسرائيل عام 2015.
وبالتالي كان لباكو تجربة ناجحة بين تركيا وإسرائيل لما تمتلكه أذربيجان من علاقات قوية مع إسرائيل كشريك استراتيجي في الأمن والطاقة، وكذلك مع تركيا وحكماً مع السلطات السورية الجديدة المدعومة تركياً وهذا يجعلها وسيط مقبول للطرفين، أضف إلى ذلك تلاقي المصالح الطاقوية المشتركة، بحيث تزامن اللقاء مع إعلان باكو تصدير الغاز إلى سوريا عبر تركيا مما يعزز دورها كحلقة وصل في المصالح الإقليمية، وبالتالي خط الغاز الأذري التركي على حساب خط الغاز الإيراني العراقي، بحسب الخطيب.
وتضيف أن اللقاء الأول كان أولى خطوات الموافقة على التطبيع أو السلام مع إسرائيل، أو بشكل أصح مع وضع الحروف الأولى لهذا السلام، وتحديد النقاط التي تم التوافق عليها أمنياً وسياسياً وعسكرياً وديبلوماسياً واقتصادياً.
فمقابل إصرار السلطات السورية الجديدة على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والتي تشمل إنشاء منطقة منزوعة السلاح تحت إشراف أممي وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وتلفت إلى أن هناك موقف اسرائيلي متصلب بإصرارها على عدم الحديث عن الجولان بأي شكل من الأشكال، والبقاء في قمم الشيخ والحرمون والمواقع الاستراتيجية التي سيطرت عليها إضافة إلى منابع المياه وحوض اليرموك وسد الوحدة.
وتضيف أن لقاء باكو جاء لإيجاد نقاط تلاقي بين الطرفين وإيجاد حل للثغرة الدستورية التي تمنع السلطات السورية الجديدة من توقيع اتفاقية السلام على اعتبارها سلطات انتقالية لا صلاحيات لديها، خاصة وأن اتفاقية من هذا النوع تحتاج إلى سلطة تشريعية منتخبة من قبل الشعب، أو استفتاء شعبي.
وتستكمل: “الحل لهذه الثغرة بوجود الشهود على الاتفاق وهم شهود دوليين وبرعاية أممية، والقول بالعودة إلى اتفاقية 1974 مع إضافة بعض البنود أو تعديل بعض البنود لتصبح اتفاقية 1974+ كنقطة التقاء أو نسخة معدلة من اتفاقية فض الاشتباك 1974، وإعطاء انطباع أن دمشق داخلة في مسار التطبيع، ولكن ليس في المسار الابراهيمي، ويمكن أن تكون البنود المضافة تحويل بعض المناطق التي احتلتها إسرائيل إلى مناطق منزوعة السلاح بإشراف قوات دولية كقوات (اليونيفل) بمعنى توسيع منطقة فض الاشتباك لعام 1974 لتشمل الحدود الجنوبية لدمشق مثلاً.
وتضيف الخطيب أن تكون لإسرائيل حصة وازنة من مصادر المياه كنهر اليرموك مثلاً. ووضع شروط صعبة لإعادة انتشار قوات وزارة الدفاع السورية، وتحديد أنواع الأسلحة المستخدمة لتكون القوات السورية ذات طابع شرطي وليس عسكري. وعقد الاتفاقات الاقتصادية والتبادل التجاري والسياحي، وهذا ما حدث فعلياً في اتفاق كامب ديفيد مع مصر وممكن أن يكون قد تم الوصول إلى اتفاق مشابه له في باكو دون الإعلان الرسمي عنه، على اعتبار أن الإعلان سيتم في لقاء مرتقب بين الشرع ونتنياهو في أيلول/سبتمبر المقبل بوجود الشهود الدوليين ورعاية الأمم المتحدة، وبالتالي إضفاء شرعية دولية على الاتفاق الفاقد للشرعية الشعبية.
اقرأ أيضاً: توجه أميركي لإلغاء عقوبات “قيصر”.. خطوات تشريعية ودعوات لإنهاء الحصار الاقتصادي
وترى أن افتتاح مكتب تنسيق إسرائيلي في دمشق فهو “أمر غير مستبعد”، ويمكن أن يأخذ طابع اقتصادي أو ثقافي أو ديني، حتى طالما أن مسار التطبيع موجود برعاية أميركية وموافقة عربية وعدم قدرة شعبية على الرفض
في النهاية وبعد قرن من الزمن فرض على سوريا وشعبها الانتقال من مقلب السياسة الشرقي إلى المقلب الغربي والتنازل عن كيانها وعروبتها.
ثمن رفع العقوبات
من جهته، يقول الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، لـ”963+”، إن الثمن الذي دفعته سوريا بعد رفع العقوبات عنها هو التطبيع مع إسرائيل، وجاء لقاء باكو بغض النظر عن إعلان مشاركة الرئيس من عدمها، ليبحث تهدئة الجبهة وتسويات وترتيبات في سوريا.
ويوضح أن إسرائيل ترفض الانسحاب من الجولان، لذلك من المستبعد أن الاجتماع ناقش ذلك، خاصة أن إسرائيل تبحث عن اقتطاع المزيد من الأراضي السورية، مرجحاً أن اللقاء ناقش ترتيبات أمنية واقتصادية بين سوريا وإسرائيل.
ويرى أن جميع المؤشرات في مسار العلاقات بين سوريا وإسرائيل تدل على وجود تطبيع، وقد يُرفع العلم الإسرائيلي في دمشق خلال الفترة المقبلة من الزمن، خاصة أن المسؤولين الأميركيين تحدثوا بثقة عن التطبيع بين دول عربية وإسرائيل، مشيراً إلى أن تلك الخطوة غير موفقة بالنسبة للحكومة السورية في ظل عدم انسحاب إسرائيل من غزة والأراضي التي استولت عليها مؤخراً في سوريا.










