يشكل احتمال تطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل تحولاً مهماً في المشهد الجيوسياسي الإقليمي، مع تداعيات متوقعة على الوضع الداخلي السوري، لا سيما في الجنوب وهضبة الجولان. ومنذ سنوات، مرت العلاقة بين الجانبين بمرحلة من التعقيد شملت تصعيداً عسكرياً متقطعاً إلى جانب محاولات ديبلوماسية محدودة.
وتثير هذه الاحتمالات ردود فعل متباينة في الجنوب السوري، حيث تعبر قطاعات من السكان في محافظتي درعا والسويداء عن رفض واضح لأي خطوات تطبيعية، وتظهر هذه المواقف في احتجاجات محلية متفرقة تعبر عن تمسك الأهالي بهويتهم الوطنية ورفضهم للسياسات التي يرون أنها تفرض أمراً واقعاً.
عسكرياً، تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات جوية تستهدف مواقع عسكرية وبنى تحتية في مناطق متفرقة داخل سوريا، لاسيما في محيط دمشق وحمص وحماة، وذلك ضمن إطار استراتيجية أمنية تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية ومنع تموضع قوى إقليمية حليفة لدمشق، وفي الوقت نفسه تكثيف الضغوط لدفع السلطات السورية نحو مفاوضات بشروط أقل صلابة.
في هضبة الجولان، ينعكس الحديث عن التطبيع على السكان السوريين في المنطقة، إذ تعمل إسرائيل على توسيع مشاريع استيطانية وربطها بشبكات اقتصادية إسرائيلية، بينما يواصل المجتمع المحلي هناك التأكيد على هويته السورية ورفض أي تغيير ديمغرافي أو ثقافي.
على المستوى الداخلي، تتعمق الانقسامات بين أطراف ترى في التطبيع وسيلة للخروج من الأزمة الاقتصادية، وأخرى تعتبره تفريطاً بالثوابت الوطنية. وفي هذا السياق، تواجه الحكومة السورية ضغوطاً من قوى إقليمية ودولية تقترن بوعود برفع العقوبات وتقديم مساعدات إعادة الإعمار مقابل الانخراط في مسار التطبيع.
اقرأ أيضاً: من الأسد إلى الشرع.. كيف تغيرت معادلة ترسيم الحدود مع لبنان؟
وتشير تحليلات سياسية إلى أن إسرائيل تسعى لتوظيف ملف الأقليات، خصوصاً الطائفة الدرزية في السويداء، ضمن أدوات الضغط لإعادة تشكيل الوضع في الجنوب السوري، فيما تحاول دمشق الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي في مواجهة هذه السياسات.
أما على الصعيد الدولي، فتبرز الولايات المتحدة كجهة داعمة لهذا المسار، حيث تسعى إدارات أمريكية متعاقبة، منذ اتفاقيات أبراهام، إلى تحقيق تقدم ديبلوماسي إضافي في المنطقة، إلا أن قضية الجولان تبقى من أبرز العقبات التي تعيق أي تفاهمات شاملة بين الطرفين.
وتبقى احتمالات التوصل إلى اتفاق تطبيعي موضع جدل واسع، مع تقديرات ترى أن أي مسار قسري قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية في الجنوب السوري ورفض واسع داخل المجتمع، ما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الداخلي ويطيل أمد الأزمة السياسية.
تطبيع مستبعد
يستبعد الأكاديمي أحمد فؤاد أنور، خبير الشؤون الإسرائيلي وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن “تنتزع الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع أي مكاسب من إسرائيل، وحتى من أميركا وتركيا”.
ويعتقد أن ستكتفي برفع “هيئة تحرير الشام”، وأحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” من قائمة الإرهاب والعقوبات الأميركية، ويرى أن هذه المكاسب “المحدودة” تزرع الشك في أن ما سبق من دعاية سلبية تحولت الآن إلى دعاية إيجابية، تصار إلى نوع من “الاستغفال”.
ويقول لـ”963+”، إن عودة الجولان إلى الإدارة الأممية، يعتبر مستبعداً وبعيد المنال، “لأن الإدارة الحالية يهددها تاريخها السابق وانتمائها إلى تنظيمات “جهادية تكفيرية”، وهذا ما يجعل حجم المناورة محدود لديها للغاية”، وفقاً لقوله.
ويضيف أن هذا الأمر “تستغله إسرائيل لتدمير البنى العسكرية السورية والتمدد نحو جبل الشيخ ودمشق، وهذا ما يتماهى مع التقارير التي ذكرت أن مسؤول أمني إسرائيلي التقى أحمد الشرع في إحدى الدول الخليجية، فضلاً عن اللقاء العلني بين الشرع وترامب والحديث عن إجراءات تطبيع بين دمشق وتل أبيب”.
ويرى أن “المستفيد الأكبر من التطبيع بين دمشق وتل أبيب هو غزة، عبر دغدغة مشاعر المتطرفين الإسرائيليين عبر تطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل، في مقابل وقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة دون تهجير”، مشيراً إلى وجود تعويل كبير على الورقة السورية لإنجاح أي اتفاق في الأراضي الفلسطينية.
مسار تدريجي.. الجولان معضلة
يقول عبد الحميد توفيق، كاتب صحفي يقيم في دمشق لـ”963+”، إن العلاقة الجيدة بين دمشق وتل أبيب تنعكس بشكل إيجابي على الداخل السوري، ولا يعتقد أن تتطور العلاقة بين الطرفين إلى تطبيع سياسي واقتصادي واجتماعي، كون مسألة التطبيع مرحلة متقدمة من عملية إقرار الحقوق وصيانتها، والبحث في سياقات تجعل المسألة بشكل أسهل.
ويستبعد أي تطبيع للعلاقات بين دمشق وتل أبيب في المدى المنظور، مشيراً إلى أن الأمر يجري بين الجانبين في سياق “تصاعدي يبدأ من التفاوض إلى التفاهم الأمني ومن ثم الهدوء، ومن ثم تجميد الجبهة على الطرفين لأن هناك الكثير من المعوقات بالنسبة للطرفين حتى على المستوى الأمني”.
اقرأ أيضاً: من العقوبات إلى التطبيع: هل يفرّط الشرع بالجولان من أجل السلام؟
ويعتقد أن أي خطوة من جانب الحكومة السورية بالتعاطي مع الجانب الإسرائيلي في سياق تفاوضي “ستنعكس إيجاباً لأن هذا المطلب أساسي كما بدا واضحاً وجلياً في الموقف الأميركي والأوروبي اللذان رفعا العقوبات عن سوريا وكسرا الحصار، وقدما دعماً واسعاً على المستويات الاقتصادية والسياسية والديبلوماسية في المحافل الدولية”.
ويضيف أن مسألة تطبيع العلاقات بين دمشق وتل أبيب في مراحلها الأولى ستكون “طويلة الأمد”، مستبعداً “عودة الجولان المحتل منذ عام 1967 بين ليلة وضحاها، رغم أنه مؤطر في القانون الدولي بالقرارات 242و 338، واللذان ينصان على أن الجولان أرض سورية محتلة من قبل إسرائيل”.
ويتابع أن “إسرائيل استغلت فراغ السلطة وسقوط النظام البائد لتحتل أراضٍ سورية جديدة تقدر مساحتها بنحو 400 كم مربع، بالتالي هناك مراحل متعددة بمسار التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، وإذا أُريد لهذا الجانب أن يكون خاصاً، فإن دمشق وحدها ستفاوض تل أبيب برعاية أميركية”، على حد قوله.
ويشير إلى أن مسألة الجولان معلقة إلى مراحل بعيدة من الزمن، إذ “تسبق عملية التفاوض عليها، ترتيبات أمنية لتجاوز كل مرحلة الصدام المفترضة بين الجانبين، لا سيما أن واقع الحكومة السورية لا زال هشاً ولا يملك أي مقومات لمواجهة الجانب الإسرائيلي”.










