تشير الوقائع إلى وجود مقاربة إجرائية متدرجة في سياسات وتوجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الرئاسية الحالية تجاه سوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد. وتبدو هذه المقاربة واضحة المعالم، إذ تتبع نمط التحرك خطوةً بخطوة، ما بين رسائل صامتة تُتداول في الكواليس، وتصريحات علنية تنطوي على رسائل سياسية موجّهة بدقة.
ويمكن تتبع هذه المقاربة بشكل أوضح من خلال مسار رفع العقوبات الأميركية على سوريا، والذي تطوّر ضمن خطوات مدروسة، بالتزامن مع تسريبات متواترة عن تقدّم المفاوضات بين دمشق وتل أبيب، إضافة إلى مؤشرات على اندماج سوريا التدريجي في إطار اتفاقيات “إبراهيم” التي أعادت تشكيل أولويات المنطقة.
وكان قد وقع ترامب، الاثنين الماضي، أمراً تنفيذياً يقضي برفع العقوبات المفروضة على سوريا، وفقاً لما أفاد به موقع “أكسيوس“.
وأوضح مسؤولون أميركيون أن الحكومة السورية، “اتخذت خطوات واسعة نحو تعزيز الاستقرار”، ما دفع واشنطن إلى إصدار الأمر التنفيذي الذي ينهي حالة الطوارئ الوطنية بشأن سوريا، والتي أُعلنت لأول مرة عام 2004.
وبحسب المسؤولين، فإن القرار يشمل أيضاً مراجعة محتملة لتصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، كما يوجّه وزارة الخارجية الأميركية إلى اتخاذ خطوات بخصوص تصنيف “هيئة تحرير الشام”.
ويتضمن الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب تخفيفاً لضوابط التصدير على بعض السلع، ومنح إعفاءات محددة من قيود المساعدات الخارجية لسوريا، كما يوجه وزارة الخارجية إلى استكشاف إمكانيات تخفيف العقوبات عبر الأمم المتحدة دعماً لمسار الاستقرار.
وقال الرئيس ترامب، إن الولايات المتحدة “ملتزمة بدعم سوريا مستقرة وموحدة تعيش في سلام مع نفسها وجيرانها”، مشدداً على أن “سوريا التي لا توفر ملاذاً آمناً للمنظمات الإرهابية وتضمن أمن أقلياتها ستكون عاملاً داعماً لأمن وازدهار المنطقة”.
اقرأ أيضاً: “المونيتور”: محادثات سرية بين سوريا وإسرائيل لإشراك قوات أميركية على خط الجولان – 963+
وكان قد أفاد موقع “أكسيوس“، بأن إدارة ترامب بدأت بإجراء مباحثات أولية مع كل من إسرائيل وسوريا حول اتفاق أمني محتمل.
وأشار الموقع، إلى أن هذه المباحثات لا ترقى بعد إلى مستوى تطبيع العلاقات، لكنها تمهّد الطريق لجهود ديبلوماسية لاحقة تهدف إلى تهدئة التوترات وتحديث الترتيبات الأمنية على طول الحدود الإسرائيلية – السورية.
وأكد مسؤول إسرائيلي، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، اهتمام تل أبيب بالتفاوض على اتفاقية أمنية مع الحكومة السورية، على أن تكون الولايات المتحدة وسيطاً رئيسياً في هذه العملية.
ويبدو لافتاً أن الاستراتيجية الأميركية تجاه الإدارة الجديدة في دمشق تعتمد على توظيف انخراط سوريا ضمن النظام العالمي اقتصادياً وسياسياً، عبر خطوات تدريجية. ويترافق ذلك مع استخدام رفع العقوبات كأداة مقابل تحقيق أهداف واشنطن في الشرق الأوسط، من خلال مراقبة مدى التزام دمشق ببناء مؤسسات الدولة، وضمان الاستقرار، وتحقيق اندماج فعلي لمكوّنات المجتمع السوري.
مفاوضات أمنية وتحديات سيادية
في هذا السياق، صرّح الدكتور سمير التقي، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن مفاوضات مباشرة تجري بين سوريا وإسرائيل، بعضها تم برعاية تركية، وأخرى بوساطة بعض دول الخليج. وذكر أن هذه المفاوضات تناولت بشكل مباشر قضية الجولان.
ويؤكد التقي في حديثه لـ”963+” أن إسرائيل لا تزال تتعامل مع السلطة السورية من منظور أمني بحت، إذ تطالب بإبعاد كافة الأسلحة الثقيلة عن الحدود مع الجولان لمسافة تُقدَّر بنحو 80 كيلومتراً، تشمل العاصمة دمشق. كما يشدد على مطلب إبعاد الجهاديين والفلسطينيين عن هذه المنطقة.
ويشير التقي إلى أن “ملف الجهاديين يمثل تحدياً معقّداً للإدارة السورية الجديدة، لا سيما أن الحكومة السورية قد جنّدت بعضهم ضمن الجيش، بينما تستمر إشكالية الثقافة الجهادية كعنصر غير منضبط.
كما ينوه إلى أن “إسرائيل تسعى حاليًا إلى التغلغل في بنية الاتصالات والمعلومات، وقد طلبت في هذا السياق تعاونًا مباشرًا مع السلطة السورية”.
ويوضح أن هناك خلافاً جوهرياً حول إعادة صياغة اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 1974، “إذ تهدف إسرائيل إلى ضمان عناصر أمنية جديدة تسمح لها بمواصلة توجيه ضربات داخل سوريا، كما تفعل في الجنوب، وهو أمر ما زال محل خلاف”.
وكان قد كشف موقع “المونيتور“، الثلاثاء، عن محادثات سرية بين سوريا وإسرائيل عبر قنوات غير مباشرة، تتضمن مقترحات لإشراك قوات أميركية على خط فصل القوات في الجولان، وذلك في إطار إعادة النظر باتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 1974.
اقرأ أيضاً: “أكسيوس”: واشنطن تجري مباحثات أولية لاتفاق أمني محتمل بين إسرائيل وسوريا – 963+
وبحسب الموقع، فإن المشاورات تُدار على مستوى استخباري وديبلوماسي، وتركز حالياً على صيغة جديدة لا تشمل توقيع معاهدة سلام شاملة، بل تسوية أمنية تدريجية برعاية دولية.
وأوضح “المونيتور”، أن قطر والسعودية تلعبان دور الوسيط في هذه المفاوضات، فيما أبدت واشنطن استعدادها لممارسة ضغوط ديبلوماسية لتحقيق تقدم في هذا المسار.
وأشار الموقع، إلى أن البديل المطروح في حال تعثّر التفاهم هو تعديل آلية عمل اتفاق الهدنة القائم، عبر إعادة ضبط دور قوات الأمم المتحدة (الأندوف)، ومراجعة تموضع القوات على الجانب السوري من الجولان سواء بالتثبيت أو الانسحاب، بما يعكس التوازنات الجديدة.
ويشير التقي إلى أن الانخراط في اتفاقيات “أبراهام” يمثل إشكالاً كبيراً بالنسبة لسوريا، خاصة فيما يتعلق بقضية الجولان من الناحية السيادية، إذ لا تستطيع الدولة السورية الراهنة التخلي عنها لأسباب سياسية ووطنية متعددة.
ويشدد على أن التوجه الإسرائيلي نحو اتفاقيات “أبراهام” يفترض “إسقاط أي مطالب سورية مستقبلية، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل الظروف الحالية. وأكد أن سوريا لن تنخرط في هذه الاتفاقيات قبل انضمام المملكة العربية السعودية والدول العربية الكبرى إليها”.
ويؤكد على أن هناك إشكالين جوهريين يعرقلان التقدم في هذا الملف: “أولهما إعادة صياغة اتفاق وقف إطلاق النار، والثاني يرتبط باتفاقيات أبراهام”. لذلك، يرى أن الإدارة الأميركية لم تربط حتى الآن علاقتها المباشرة بسوريا بملف السلام مع إسرائيل، لكنها تطلب ضمانات أمنية كحد أدنى، منها تمكين إسرائيل من تنفيذ ضربات داخل الأراضي السورية دون اعتراض، وضمان أمن الجولان”.
اتفاق أمني
وفي هذا الإطار، ذكرت تقارير إعلامية، نقلًا عن القناة 12 العبرية، أن المرحلة الأولى من المفاوضات قد تفضي إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، في ظل محادثات لا تزال جارية خلف الكواليس. وأضافت المصادر أن العلاقات بين الطرفين قد تُبنى تدريجياً مع نهاية العام الجاري.
وأفادت التقارير أن الرئيس السوري، أحمد الشرع، يُظهر انفتاحًا غير مسبوق تجاه خيار السلام مع إسرائيل، كما عبّر عن ذلك خلال لقائه الرئيس ترامب، والمبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك. إلا أن هذا السلام مرهون بتحقيق اتفاق إقليمي شامل يلبي كافة المطالب.
من جانبه، تحدث رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن احتمال عقد لقاء في سبتمبر المقبل بين الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
أما توم حرب، مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديموقراطية، فقد أشار إلى أن مسألة الجولان حُسمت منذ الولاية الأولى لترامب، مؤكداً أن “لا محادثات حالياً حول هذه القضية، وأن على الشرع الإقرار بالموقف الأميركي في هذا الصدد”.
وفيما يخص العقوبات، يوضح حرب أن العقوبات فُرضت أساساً على بشار الأسد ونظامه والمتعاونين معه، وأن قرار رفعها يرتبط بتقييم الإدارة الأميركية لأداء النظام الجديد في سوريا، ومدى التزامه بتحقيق استقرار إقليمي، وفك ارتباطه بالتنظيمات المتشددة والراديكالية.
وبشأن التطبيع، يشير حرب إلى أن “إسرائيل تدرك تمامًا غياب مؤسسات الدولة الفاعلة في سوريا، مثل البرلمان والدستور الموحد، مما يجعل من الصعب توقيع اتفاق مع شخصية واحدة، كأحمد الشرع، دون وجود إطار سياسي شرعي متكامل”.
ويضيف: “لذا، ينبغي على دمشق أن تعمل بجدية على تفعيل مؤسساتها السياسية بشكل رسمي، كي تتمكن من المضي في تنفيذ الاتفاقيات الدولية ضمن شرعية مقبولة إقليميًا ودوليًا”.










