تتعدد الثقافات وتتنوع اللغات المحكية في سوريا ما يعكس حجم التنوع الثقافي والحضاري الممتد لآلاف السنين والذي غاب خلال العقود الماضية، حيث عمد النظام المخلوع على اتباع سياسة التغييب القسري ليس فقط للسوريين بل للغاتهم وثقافاتهم المتنوعة في عملية تهدف بالدرجة الأولى إلى طمس وانصهار تلك المكونات ضمن بوتقة واحدة.
وتضم سوريا 15 لغة محكية، بالإضافة إلى اللهجات المحلية المتنوعة، وتُعتبر اللغة العربية اللغة الرسمية لكن الحفاظ على اللغات المحلية مثل الكردية والسريانية والتركمانية يشكل جزءاً مهماً من الهوية الثقافية لمختلف المكونات، كما يدفع نحو بناء هوية وطنية جامعة في سوريا قائمة على التنوع الثقافي والاثني والاستفادة منه كمصدر قوة وثراء يترافق ذلك مع الابتعاد عن نبذ الطرف الآخر والانقسام وخطاب الكراهية.
اقرأ أيضاً: اللغة الكردية.. قيامة الهوية من تحت أنقاض النكران البعثي – 963+
يرى حمدي سالم الحاصل على الدكتوراه في اللغة العربية، أن “التنوع الثقافي في سوريا سينعكس خلال الفترة الحالية والمقبلة بشكل إيجابي على البلاد مع ضرورة العمل على تطبيق مبدأ المساواة والاحترام بين كافة الأعراق المتواجدة في سوريا من عرب وأكراد وتركمان وكلدانيين وأرمن وغيرهم مما يضفي ثراءً على النسيج الاجتماعي”.
ويقول سالم لـ “963+”، إنه “خلال حكم نظام الأسد كان هناك تمييز بين الطوائف والقوميات بشكل واضح وملحوظ ومحاولة طمس هوية العديد من المكونات على حساب مكونات أخرى الأمر الذي خلق هوة واسعة بين أبناء الشعب السوري اتسعت بعد عام 2011 وما أعقبها من عمليات تحريض مختلفة، كل هذه الأوضاع يجب أن تتغير بعد سقوط النظام والتوجه نحو بناء دولة مدنية ديموقراطية تحترم وتحافظ على حقوق الجميع من خلال القوانين والتشريعات الناظمة”.
وعمل النظام السوري المخلوع خلال فترة حكمه الممتدة لأكثر من 50 عاماً على تكريس مفاهيم ومبادئ رئيسية لدى السوريين على اختلاف مكوناتهم كالقائد الأوحد والحزب الواحد وشعارات قائمة على تفضيل قومية على أخرى ضمن مشروع استغله النظام لتقوية سلطته وقمع حريات المواطنين بما في ذلك تجريم ومحاسبة من يعقد دورات تعليمية بلغته الأم. كما تعرضت الهوية الثقافية السورية خلال السنوات الماضية لانتكاسات كبيرة حيث تم توثيق العديد من حالات النهب والتهريب للقطع الأثرية وتدميرها وسرقة الفنون التقليدية.
اقرأ أيضاً: اللغة كمظهر للتعددية الديموقراطية في ظل التحولات المركزية – 963+
ويؤكد الناشط الحقوقي رمزي فخراوي لـ “963+”، على “ضرورة إعادة بناء العلاقة بين المكونات السورية تحت سقف المواطنة وهو ما جاء فعلاً في الإعلان الدستوري الذي صدر مؤخراً الأمر الذي يبعث نوعاً من الارتياح لدى كافة أطياف السوريين الذي مازال قسماً منهم يشعر بالخوف من تكرار ما حدث للبلاد بزمن حكم آل الأسد”.
ويشير فخراوي، بأن “الحفاظ على التراث اللغوي في سوريا عن طريق التعليم والممارسات اليومية هو أمر بالغ الأهمية. كما يُعتبر خطوة أساسية للحفاظ على التنوع الثقافي ما سيساهم بالتأكيد بحماية الذاكرة الثقافية السورية وضمان استمراريتها في الفضاء العالمي”. يضاف إلى ذلك نقطة بالغة الأهمية تتمثل في “حفاظ ملايين السوريين الذين غادروا البلاد بعد عام 2011 على هويتهم الثقافية وعاداتهم وتقاليدهم التي باتت جزءاً جوهرياً من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات السورية في المهجر. وهنا وجد السوريون أنفسهم في ظروف جديدة ساهمت بإعادة تشكيل هويتهم، حيث تداخلت ثقافاتهم مع الثقافات المحلية. وعلى الرغم من ذلك احتفظ الكثير منهم بالعادات والتقاليد، مما يعكس عمق ارتباطهم بجذورهم”.










