في أحد مشاهد فيلم “جيران” لمخرجه الكردي مانو خليل يظهر الأستاذ القادم من دمشق “آخر الدنيا” في الثمانينات ليقوم بتعليم الأطفال اللغة العربية في المدرسة الطينية في أحد الصفوف المختلطة في الأعمار بإحدى قرى القامشلي، ويُصادف أنّ “شيرو” الصغير (أحد أبطال الفيلم) الذي لا يعرف لغة سوى لغته التي رضعها مع حليب أمه الكردية في الصف وحين يتكلّم الأستاذ لا يفقه “شيرو” أية كلمة وحين يعرف الأستاذ هذه الحقيقة يضربه بعصا غليظة على يديه الصغيرتين، ويأمر التلاميذ بأن لا يتكلّم أحد سوى العربية.
لكنّ مشهد الفيلم مألوفٌ جداً للكرد السوريين الذين عاشوا لعقود طويلة في ظلّ النكران للغتهم وإرغامهم على النكث بحليب الأمهات ونسيان الكردية في ميادين العلم والمعرفة والثقافة والإعلام وغيرها من الفضاءات العامة.
اقرأ أيضاً: اتحاد الكتّاب العرب ينعى الأديبة السورية ماري رشو – 963+
النكران كنهج
يعرف السوريون الأسد جيداً، كمستبدّ سابقاً قبل العام 2011 ودكتاتور قاتل بعدها، وقد اجتمعت فيه ما اجتمع من مستبدين على مرّ التاريخ وأقصد هنا خصيلة النكران؛ نكران كلّ شيء وعدم الاعتراف بأي شيء خارج الأفق الضيّق الذي رسمه حزب البعث الحاكم الذي بنى نفسه عبر إقصاء الآخر.
لم يكتفِ نظام البعث خاصّة بإنكار حقوق الكُرد بل أنكر وجودهم الفيزيائي والتاريخي وحاول صهرهم وقمعهم ليس فقط في ممارسة السياسة والتعبير عن الذات بل حارب لغتهم، وزجّ بالسجون من يعلّمون اللغة الكردية ومنعها في المجال العام؛ في المدارس والمكاتب الرسمية، ومنع المطبوعات الكردية مهما كان موضوعها وجرّم التعامل والتفاعل معها.
لم يتم ذكر اللغة الكردية ومنعها بشكل صريح، لكن تم التعامل معها بالنكران التام لها وعدم الاعتراف بها، فيكفي أنّ نعرف أنّ هناك من عاش ومات وخلّف أطفالاً وأحفاداً دون أن يسمع كلمة كردية واحدة في التلفزيون أو الإعلام أو أي منصّة أخرى.
فالنكران لم يكن حالة طارئة، بل بنية متكاملة في خطاب النظام السوري وسلوكه، وخصيلتها الأساسية هي رفض التعدّدية والاختلاف، وما الموزاييك الذي كان يتحدّث عنه سوى قطعة مموّهة لا تخفي خلفها سوى الهراء والمكاذبة على السوريين.
لقد تم تربية أجيال كاملة في سوريا على أنّها ذات لون واحد ولغة واحدة ورسالة واحدة، وأنّ الكُرد مجرّد طارئين وضيوف لكن غير مرحّب بهم وغرباء يُمارسون دور المُكدّر على سطوة الرسالة الخالدة لحزب البعث، وهذا النكران كان موجهاً لذاكرة جماعية وثقافة وهوية كاملة في محاولة لطمثها وتذويبها في بوتقة واحدة.
فرّ الأسد في سَحَرِ الثامن من كانون الأول/ ديسمبر بطريقة مخزية خلّفا ألبوم صوره الشخصية ومعه إرثاً كاملاً من النكران لحقوق الشعوب والمكونات السورية، وبلاداً يباباً، وبزغ مع فراره فجر جديد على السوريين، وإحياء الأمل لأيام جديدة.
اقرأ أيضاً: مهرجان القاهرة السينمائي يفتح أبوابه أمام صنّاع السينما العربية – 963+
التعدّدية اللغوية كمستقبل
في الخامس عشر من أيار/ مايو من كلّ عام، يُحيي الكُرد يوم اللغة الكردية. ذكرى صدور العدد الأول من مجلة “هاوار” الكُردية عام 1932، والتي أطلقها المتنوّر الكردي جلادت بدرخان من دمشق، ومعها تم تبني الأبجدية اللاتينية التي لا يزال الكرد يكتبون بها في سوريا وتركيا ومناطق أخرى.
ومنذ خروج النظام السوري المخلوع من مناطق مختلفة من الحسكة وكوباني وعفرين واقتصار وجوده على مربعات أمنية صغيرة ومؤسسات خدمية ومدنية يحتفل الكرد بيوم اللغة الكردية كلّ عام في المدارس التي تُدرّس منذ العام 2014 باللغة الكردية بشكل رسمي منذ عقود النكران الطويلة.
وفي الخامس من أيار/ مايو تم دعوتي لحضور مناقشة رسالة ماجستير في الأدب الكردي عن القصة الكردية في مدرّج جامعة “روجافا” بالقامشلي، هذه الدعوة كانت للرئيس المشترك للجامعة بصفته طالباً هنا، ومع أنّ المشهد بات مألوفاً من دخول اللغة الكردية ميادين الحياة المختلفة وبأشكال متنوعة إلا أنّ المشهد يستحضر فيما يستحضره فرار الأسد وكيف تصدح المدرّجات بنقاشات في اللغة والأدب الكرديين.
ويُعدّ التعلّم باللغة الأم أحد الحقوق الطبيعية بحسب العهود والمواثيق الدولية، فقد نصّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته الـ 27 فيؤكّد أنّه “لا يجوز حرمان الأقليات اللغوية من حقّها في استعمل لغتها”.
اقرأ أيضاً: ميريام عطا الله لـ“963+”: اشتقت للتمثيل وأميل إلى المسلسلات الكوميدية – 963+
ومع أنّ الحكومة المؤقتة لم تورد أي شيء متعلّق باللغة الكردية والاعتراف بها، إلا أنّ الكرد يجدون أنّ الاعتراف الدستوري باللغة الكردية يُعدّ أحد أركان الانتقال نحو دولة ديمقراطية وحاجة السوريين لصياغة عقد اجتماعي جديد لا يغبنهم كما فعل البعث.
ويرى الكرد بمعظمهم وبمختلف توجهاتهم أنّ أي إعلان دستوري أو دستور جديد للبلاد ينبغي أن يعترف باللغة الكردية كلغة وطنية، وضمان حقّهم في تعلّمها واستخدامها في التعليم والإدارة، وأن تُلزم الدولة نفسها بتوفير الدعم المؤسساتي لتعليم وتطوير هذه اللغة.
كما انّ اللغة الكردية ينبغي أن تكون حاضرة في مختلف الميادين ومنها إدخال اللغة الكردية على الإعلام الرسمي ودعم إصدار المطبوعات والصحف بها، وفسح المجال لإذاعات وقنوات تستخدم اللغة الكردية، وكذلك إدخال اللغة الكردية في الفنون والدراما وغيرها من المجالات العامة وفسح المجال أمامها لأجل ذلك ودعمها.
وأن يتم العمل على افتتاح كلية خاصة بالآداب الكردية وجعل تعليم اللغة الكردية متاحاً في معاهد تعليم اللغات في المناطق السورية المختلفة.
إنّ إحياء يوم اللغة الكردية يتعدّى كونه مناسبة عابرة، بل استحقاقاً ينبغي على الشركاء السوريين الاعتراف به ودعمه وجعله جزءاً من النسيج الوطني السوري، وأن يتحوّل من فعل مُقاوم للنكران في وجه البعث والإقصاء إلى فعل وطني واستحقاق دستوري وطني.
وفي فيلم “جيران” يقوم الممثل القدير مازن الناطور بتمثيل دور “البعثي” التقليدي الذي يكره كلّ ما هو كُردي، وخارج الفيلم وبعد فرار الأسد ظهر مازن الناطور في عدة مناسبات متوجّها بالحديث بالكردية للكُرد، وفي عيد نوروز باركهم بالكردية، في رؤية واضحة إلى الانتقال نحو الهويات المتعدّدة للبلاد، والتي اختصرها الناطور بكلمة “آزادي”.










