عندما سقط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، بدا المشهد وكأن لحظة الخلاص قد حلّت أخيراً على السوريين. توهّجت آمال العودة، وانفتحت نوافذ الحلم على وطنٍ ينتظر أبناءه بعد سنوات التيه في الخيام.
وتعهّدت الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بإعادة النازحين إلى بلداتهم كأولوية وطنية عاجلة، معلنة انطلاقة مرحلة جديدة عنوانها: “سوريا لكل أبنائها”.
لكن تلك اللحظة الاستثنائية تلاشت تدريجياً أمام واقع مرير؛ فملايين السوريين ما زالوا عالقين بين أطلال منازل لم تُرمم، وخيام تنتظر أن تُطوى. البنية التحتية مدمّرة، الاقتصاد يترنّح، والخدمات شبه غائبة… كلّها عوامل أخّرت قطار العودة.
وبعد أكثر من سبعة أشهر على التحول السياسي، لا تزال معادلة النزوح تراوح مكانها: من عاد لم يجد ما يَقوم عليه، ومن بقي يخشى العودة إلى اللاشيء
وأظهر استطلاع حديث أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نشر في آذار/ مارس الماضي، أن ما يصل إلى مليون نازح داخلي في شمال غربي سوريا ينوون العودة إلى مناطقهم خلال العام المقبل.
وأشارت المفوضية إلى أنه وبعد سقوط النظام، فإن نحو 3.4 مليون نازح داخلي ما زالوا في شمال غربي البلاد، منهم نحو 1.95 مليون يعيشون في أكثر من 1500 مخيم وموقع نزوح في إدلب وحلب.
ووفق المتحدثة باسم المفوضية، سيلين شميت، فإن الرغبة في العودة “قوية بشكل خاص في إدلب”، حيث عبّر ثلثا الأسر عن نيتهم العودة، لا سيما إلى مناطق مثل معرة النعمان وجبل سمعان.
وأوضحت شميت أن هذه العودة قد تُحدث تحولاً ديمغرافياً كبيراً، إذ يمكن أن يرتفع عدد السكان في بعض المناطق من نحو 3 آلاف إلى أكثر من 130 ألف نسمة، ما سيُشكّل ضغطًا هائلًا على البنى التحتية والخدمات المتداعية.
وتبقى أبرز العقبات، وفق الاستطلاع، هي نقص الخدمات الأساسية، وغياب سبل العيش، وانعدام الأمن الإنساني بسبب مخلفات الحرب.
اقرأ أيضاً: الحكومة السورية تعلن عن إغلاق مخيم الركبان – 963+
الإغلاق لا يعني دائمًا العودة إلى الديار
يقول رامي كلزي، مدير قسم الصحة والتغذية في منظمة “أمل للإغاثة والتنمية”، في حديثه لـ”963+”: “بدأنا نلاحظ إغلاق عدد من المخيمات الصغيرة والمتوسطة، لكن هذا لا يعني بالضرورة العودة إلى المناطق الأصلية”.
ويضيف: “كثير من النازحين ينتقلون إلى مخيمات أكبر وأكثر خدمية، أما من عاد إلى بلدته، فهم أولئك الذين وجدوا أن مناطقهم أصبحت قابلة للسكن، كأهالي بعض مناطق سراقب أو ريف إدلب”.
ويستدرك كلزي: “لكن لا تزال هناك نسبة كبيرة لم تتمكن من العودة بسبب الدمار الكامل لقراهم. الأهم أن الرغبة في العودة موجودة لدى الجميع، لكن غياب البنية التحتية والخدمات الأساسية يجعل من العودة قراراً صعباً”.
ويضيف: “الكثير من المخيمات باتت دون خدمات، بعد تراجع التمويل بشكل كبير خلال عام 2025، ما أثّر على خدمات الصحة والتغذية وإدارة النفايات. وفي ظل هذا الانهيار، يبقى المخيم، بالنسبة لكثير من العائلات، خياراً أقل سوءاً من العودة إلى خراب بلا ماء أو كهرباء أو فرص عمل”.
عودة جزئية.. والمخيمات ما زالت ملاذاً اضطرارياً
يتحدث عبد السلام محمد اليوسف، مدير مخيم “الياسمين” في كفر جالس غرب إدلب، لـ”963+” عن التحولات التي طرأت بعد سقوط النظام، قائلاً: “كان عدد سكان مخيمنا نحو 1350 عائلة، واليوم لم يتبقَّ سوى 300. نعم، نصف السكان تقريبًا غادروا، لكن الصورة ليست بهذه البساطة؛ كثيرون لم يعودوا إلى منازلهم الأصلية، بل انتقلوا إلى مخيمات أخرى أكثر استقراراً أو خدمية”.
ويوضح اليوسف أن العقبات التي تعيق العودة لا ترتبط بالأمن، بل بغياب مقومات الحياة، مشيرًا إلى أنه “لا توجد بنى تحتية، ولا خدمات أساسية، ولا ظروف ملائمة للعيش. من يعود يواجه الدمار والفراغ”.
ويتابع: “بعض المسؤولين في الحكومة الانتقالية الجديدة زاروا المخيم واطّلعوا على الواقع، لكن خيبتنا الكبرى كانت من المجتمع الدولي. كنا ننتظر تدخلاً سريعاً يعيد الأمل، لكن للأسف، معظم سكان المخيمات يشعرون اليوم أنهم لا يزالون في الهامش، ولم تصلهم من ‘نصر ديسمبر’ سوى أصدائه”.
الحكومة تبذل جهدها… لكن العقوبات تخنق العودة
يرى الباحث السياسي في الشأن السوري رضوان الأطرش، من إدلب، أن ملف النازحين لا يمكن فصله عن ملف إعادة الإعمار. ويقول: “المدن والقرى التي يُفترض أن يعود إليها النازحون مدمرة بالكامل، ولا يمكن السكن فيها بهذه الظروف. الدعم الذي تقدمه المنظمات حاليًا لا يتعدى أجور النقل، وهو غير كافٍ على الإطلاق”.
ويؤكد لـ”963+” أن العقبات أمام العودة “إدارية ومؤسساتية في جوهرها، وتتعلق بالبنية الاقتصادية والاستثمارية المعطّلة بسبب العقوبات”، مضيفاً: “الحكومة الانتقالية جادّة فعلاً، وتبذل جهوداً كبيرة مع شركاء دوليين لمعالجة هذا الملف، لكنها بحاجة ماسة إلى رفع العقوبات في أسرع وقت، حتى تتمكن من التنسيق الفعّال مع المجتمع الدولي والمنظمات العاملة”.
ويختم: “البعض عاد ليسكن في منزله المدمر، والبعض الآخر حمل خيمته وعاد إلى أنقاض قريته. نعم، العودة بدأت، لكنها مرهونة بمدى جدية المجتمع الدولي في دعم هذا التحول”.
اقرأ أيضاً: الركبان: لقد انتهى الكابوس – 963+
حكومة بلا أدوات… وخطوات غائبة
في المقابل، تبدي الناشطة السياسية السورية راقية الشاعر تشاؤماً واضحاً بشأن قدرة الحكومة الانتقالية على إحداث تغيير فعلي في ملف النزوح. وتقول لـ”963+”: “الحكومة لا تملك أدوات سياسية ولا لوجستية، ولا يبدو أنها قادرة على إعادة تأهيل المناطق المتضررة أو توفير بيئة آمنة. حتى من لم يُهجّر يعاني من نقص الخدمات وتدهور سبل العيش”.
وتضيف: “مؤسسات الدولة، منذ سقوط النظام وحتى الآن، لا تزال مشلولة وتعمل بالحد الأدنى. كان من المفترض أن تبني الحكومة الانتقالية جهازاً إدارياً مؤهلاً، بعيداً عن المحسوبيات واللون الواحد، لكن ما حدث كان عكس ذلك. من مؤتمر الحوار الوطني إلى الإعلان الدستوري، ثم التعيينات التي جاءت بمعايير غير مهنية، كلها خطوات أثارت الشكوك بشأن جديتها”.
وتختم بالقول: “النازحون لم يلمسوا تغييراً حقيقياً حتى الآن، ولا يرون سبباً مقنعاً للعودة. المشكلة ليست في إرادتهم، بل في واقع لم يتغير”.
وكانت قد أعلنت الحكومة السورية، في السابع من حزيران/ يونيو الماضي، عن إغلاق مخيم الركبان على المثلث الحدودي السوري – الأردني – العراقي جنوبي شرقي البلاد.
اقرأ أيضاً: الإدارة الذاتية: إخراج 43 عائلة من مخيم الهول بالتنسيق مع دمشق ومفوضية اللاجئين – 963+
وقال وزير الطوارئ والكوارث في الحكومة رائد الصالح، حينها، “إن إغلاق مخيم الركبان يمثل نهاية لواحدة من أقسى المآسي الإنسانية التي واجهها النازحون السوريون داخل بلادهم”، وفقاً لما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأعرب الوزير، عن أمله أن تشكل هذه الخطوة بداية لمسار ينهي معاناة بقية المخيمات في سوريا، وأن يعود قاطنوها إلى ديارهم بكرامة وأمان.
وكان مخيم الركبان يأوي نحو عشرة آلاف نازح سوري، بينما عانى القاطنون فيه من أوضاع إنسانية سيئة على مدار سنوات الحرب التي شهدتها سوريا.
وقال وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى، “إن تفكيك مخيم الركبان وعودة النازحين ينهي فصل مأساوي وحزين من قصص النزوح التي صنعتها آلة الحرب للنظام المخلوع”.
وأضاف، أن “المخيم كان مثلثاً للموت والذي شهد على قسوة الحصار والتجويع، حيث ترك النظام الناس لمواجهة مصيرهم المؤلم في الصحراء القاحلة”، وفقاً لما نقلته وكالة “سانا”.
وتواصل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، إخراج النازحين من مخيم الهول في ريف الحسكة، وكان قد قال رئيس مكتب شؤون النازحين بالإدارة الذاتية شيخموس أحمد، في الرابع عشر من يونيو الماضي في تصريحات لـ”963+”: “عملية إخراج العوائل السورية من مخيم الهول تتم، بالتنسيق مع الحكومة السورية ومفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
وأوضح، أن النازحين الموجودين في مخيم الهول من مناطق سورية أخرى لم يُتخذ بشأنهم أي قرار حتى الآن، مشيراً إلى أن السبب يعود إلى عدم وجود اتفاق رسمي مع الحكومة السورية حول عودتهم.










