لا تزال آثار الهجمات الكيميائية في سوريا تشكل جرحاً مفتوحاً يتجاوز حدود القتل المباشر، إذ خلفت تلك الأسلحة دماراً صحياً طويل الأمد على الناجين، ممن يعانون أمراضاً تنفسية مزمنة، وتلفاً رئوياً، واضطرابات عصبية، وأمراضاً جلدية مستعصية، فضلاً عن مخاوف من آثار وراثية قد تطال الأجيال المقبلة. ويرصد هذا التقرير ليس فقط مواقع استخدام هذه الأسلحة والمسؤولين عنها، بل يتتبع انعكاساتها العميقة على صحة الإنسان السوري والبيئة، مستنداً إلى شهادات ناجين وأطباء وخبراء لرسم صورة دقيقة لإحدى أخطر الكوارث الصحية التي أعقبت النزاع.
وتُعتبر الأسلحة الكيميائية من أخطر أدوات الحرب على المستوى الدولي لتأثيراتها القاتلة المباشرة والممتدة على الإنسان والبيئة، وتشمل مواد مثل السارين والكلور والخردل، وفق تعريف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) التي تأسست للإشراف على تنفيذ اتفاقية عام 1993، الهادفة إلى منع إنتاج هذه الأسلحة واستخدامها وتفكيك مخزوناتها تحت رقابة دولية، وقد صادقت عليها 193 دولة بينها سوريا عام 2013 عقب مجزرة الغوطة.
ورغم ذلك، شهدت سوريا استخداماً واسعاً لهذه الأسلحة من قبل النظام السابق وتنظيم “داعش”، خاصة في الغوطة وخان شيخون ودوما وسراقب ومارع وكفرزيتا واللطامنة، حيث وثق مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية أكثر من 262 هجوماً منذ 2012، نفذ معظمها النظام، بينما سجلت هجمات محدودة لـ”داعش”، أبرزها قصف مارع بغاز الخردل في 1 سبتمبر الذي أدى إلى إصابة 11 مدنياً وأدانته المنظمة، فيما أعاقت صعوبة الوصول غياب الأدلة الرسمية في مناطق أخرى كالقلمون الشرقي وبابا عمرو والخالدية وريف الحسكة.
اقرأ أيضاً: الأسلحة الكيمائية والمتفجرات.. تلوث الهواء والمياه والتربة في سوريا – 963+
لم تنفجر الصواريخ.. لكنها قتلت
يروي يوسف محمود الغوش، أحد أبناء بلدة زملكا وشاهد على مجزرة الكيماوي، لـ”963+”: “بينما كانت الساعة تشير إلى الثانية والربع صباحًا من يوم 21 آب/ أغسطس 2013، دوّى صوت صواريخ في سماء زملكا، دون أن يحدث أي انفجار.. تفاءلنا خيرًا… لكن بعد دقائق بدأنا نسمع صراخ الأهالي.. كيماوي! كيماوي”.
ويضيف: “لم نكن نعلم بعد حجم الكارثة، لكننا بدأنا نرى المصابين يتدفقون بالآلاف إلى المشافي: لا جروح، لا دماء، بل أجساد ترتعش، وزبد يخرج من الفم والأنف. كانت المشاهد كأنها من يوم القيامة”.وبحسرة يضيف: “غسلنا الناس بالماء، حقنّاهم بالأتروبين، حاولنا إنعاش الأطفال بالأوكسجين.. لكن معظمهم لفظ أنفاسه قبل أن ننجح بأي شيء”.
الطب يشرح… ماذا يفعل السارين والكلور في أجساد البشر
يشرح د. هوكر أحمد عبدو، طبيب سوري حاصل على ماجستير في الطب الحيوي، أن ما رآه الغوش يتطابق تماماً مع تأثير غاز السارين، أحد أخطر الغازات العصبية.
ويضيف لـ”963+” أن “السارين يثبط إنزيماً مسؤولاً عن تنظيم الإشارات العصبية، فيبدأ الجسم بتلقي أوامر لا تتوقف: تشنجات عضلية، إفرازات غزيرة، ضيق في حدقة العين، ثم شلل عضلات التنفس والموت خلال دقائق”.
ويقول عبدو: “حتى من نجا، لم ينجُ تمامًا… كثير من الناجين يعانون لاحقاً من تلف دائم في الأعصاب، مشاكل في الذاكرة، اكتئاب مزمن، وأمراض تنفسية لا علاج لها”.
ويضع أحمد الأحمد، المتخصص في ملف الأسلحة الكيميائية هذه المجزرة في سياقها: “ما جرى في الغوطة الشرقية والغربية في ريف دمشق، كان أكبر هجوم كيميائي في القرن. وثقنا 1127 قتيلاً مؤكداً، بينهم 107 أطفال و201 امرأة، وأُصيب الآلاف.. النظام السابق استخدم صواريخ محملة بغاز السارين عالي التركيز، ما يفسر الوفاة الفورية لعدد كبير من الضحايا”.
اقرأ أيضاً: السلامة البيئية بعد النزاع المسلح في سوريا – 963+
الموت لا ينتهي… أعراض لا تزال مستمرة
بعد المجزرة، يقول الغوش، تغيرت الحياة: “عائلات بأكملها أُبيدت، من بقي حياً حمل أمراضاً لا نعرف لها اسماً، أصبحنا نشهد ضيق تنفس دائم، هشاشة عظام، فقدان شهية، وأمراضًا نفسية لا حصر لها”.
ويتابع الطبيب عبدو: “هذه ليست مجرد صدمة نفسية، بل نتيجة التعرض الحاد للغازات السامة. الكلور، على سبيل المثال، يسبب وذمة رئوية وتلفًا في الحويصلات الهوائية، ما يؤدي إلى انتفاخ رئوي مزمن لا شفاء منه”.
ويضيف أن غاز الخردل، وهو مادة كيميائية حارقة، يسبب تشوهات خلقية، عقمًا دائمًا، وسرطانات في الرئة والدم، حتى بعد سنوات من التعرض.
ويؤكد الأحمد بدوره أن معظم المناطق التي تعرضت للهجمات لم تخضع لأي عمليات تطهير: “بعض المواد، مثل الخردل، تبقى في التربة لعقود، وتتسرب إلى المياه الجوفية. هذه ليست كارثة لحظية، بل تهديد بيئي وصحي طويل الأمد”.
آثار لا تنتهي بعد الانفجار
وفي الختام، يحذر الطبيب عبدو من أن أخطر ما في الأسلحة الكيميائية ليس الموت الفوري، بل الأمراض الصامتة التي تظهر بعد أشهر أو سنوات، وتغير حياة الناجين كلياً.
ويضيف: “الغازات العصبية مثل السارين لا تقتصر على القتل الفوري، بل تترك آثارًا عصبية مزمنة لدى من نجا منها، مثل تلف دائم في الجهاز العصبي، ضعف الذاكرة، واضطرابات في الرؤية”. أما الكلور، فيسبب أمراضاً تنفسية مزمنة مثل التهابات القصبات وتليف الرئة.
ويشير إلى أن “غاز الخردل، الأخطر بين هذه المواد، يرتبط مباشرة بحدوث سرطانات الدم والرئة، وقد يؤدي إلى العقم وتشوهات خلقية، حتى لدى الأجنة التي تعرضت أمهاتهم للغاز أثناء الحمل”.
ويشدد على أن هذه التأثيرات لا تقتصر على الأفراد المصابين مباشرة، بل قد تمتد عبر الأجيال من خلال تأثيرات جينية، مما يجعل الكارثة الصحية مستمرة.










