أدى استمرار الحرب في سوريا لأكثر من عقد إلى أضرار بيئية جسيمة طالت الهواء والمياه والتربة، مع آثار تهدد الصحة العامة والاقتصاد والتنوع البيولوجي على المدى الطويل.
تلوث الهواء
تسببت الأسلحة الكيميائية والمتفجرات في إطلاق غازات سامة مثل أكاسيد النيتروجين والكبريت، وجسيمات دقيقة (PM2.5) ارتفعت مستوياتها بنسبة 150% بين 2011 و2023، بفعل احتراق آبار النفط ومحطات التكرير البدائية والقصف. احتلت سوريا المرتبة 18 عالمياً في تلوث الهواء عام 2019 وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. بين 2010 و2017 ارتفعت الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء بنسبة 17%، بإجمالي 7,684 وفاة. في عام 2015، تجاوزت مستويات الجسيمات الدقيقة ثلاثة أضعاف الحد المسموح به.
اقرأ أيضاً: الحكومة السورية تطلق مشاريع لتأهيل محطات المياه في عدة محافظات – 963+
تلوث المياه
تلوثت 90% من مصادر المياه بسبب تسرب معادن ثقيلة مثل الرصاص والزئبق، إضافة إلى اختلاط مياه الشرب بمخلفات الصرف الصحي والنفايات الصناعية نتيجة تدمير محطات المعالجة وتحويل مجاري المياه كتكتيك حربي. يومياً، يُلقى نحو 400 طن من النفايات الصلبة عشوائياً في شمال غرب سوريا. هذا التلوث أدى إلى تفشي أمراض مثل الكوليرا والتيفود، مع فقدان 40% من القدرة الزراعية.
تدهور التربة
تضررت نحو 100,000 هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة بسبب النزاع واستخدام الأسلحة الكيميائية والمتفجرة، وفق الحكومة السورية المؤقتة. بين 2011 و2016، تضررت 65,088 هكتاراً، بينها 17,693 هكتاراً من القمح، 41,323 هكتاراً من الشعير، 5,359 هكتاراً من الأشجار المثمرة، 494 هكتاراً من البقوليات، و280 هكتاراً من المزروعات العلفية.
وانخفضت المساحات المزروعة بنسبة 30%، والأراضي المروية بنسبة 50%، وتراجع الإنتاج الزراعي بنسبة 60% مقارنة بما قبل الحرب. تراكمت معادن ثقيلة مثل الكادميوم والرصاص والكروم في التربة بمستويات تجاوزت المعايير الأوروبية.
وفي هذا السياق، يشدد الخبير في التنمية والسياسات البيئية، حسان التليلي، في تصريحات لـ”963+”، على أن تخليص التربة من التلوث الذي راكمته الحرب منذ عام 2011 يمثل تحدياً لا يقل أهمية، عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا والتي تعد أحد التحديات الكبرى أمام السلطات الجديدة لتنشيط الدورة الاقتصادية”.
ويوضح أن “النزاع حوّل مساحات واسعة من الأراضي إلى مكبّات لمخلفات الأسلحة الكيميائية والمتفجرات، بمساهمة من أطراف محلية ودولية”، مشيراً إلى أن تقارير دولية وثّقت استخدام السلاح الكيميائي بشكل عشوائي، ما ساهم في تدهور التربة البيئية وتراكم المعادن الثقيلة فيها.
ويضيف التليلي أن الضربات الإسرائيلية المتكررة عقب سقوط النظام السابق، والتي استهدفت مواقع يُعتقد أنها تحتوي على أسلحة كيميائية، فاقمت من تعقيد الوضع البيئي. ويذكّر بانضمام سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013 بعد مجزرة الغوطة، لكنه يشير إلى أن “النظام السابق أخفى كميات منها واستمر في استخدامها لاحقاً”.
كما تطرّق إلى زيارة مدير عام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فرناندو أرياس، إلى دمشق في شباط/فبراير 2025، حيث طالب الحكومة الجديدة بتأمين المواقع التي لا تزال تحتوي على بقايا هذه الأسلحة، وهي مهمة تحتاج إلى إمكانات أمنية وتقنية غير متوفرة بالكامل حاليًا.
وفي ما يخص النفايات الصلبة، يحذّر التليلي من خطرها المتزايد على صحة السكان والمياه الجوفية، لافتاً إلى أن معالجتها قد تستغرق عقوداً وتستلزم موارد ضخمة.
ويوضح أن تقنيات حديثة مثل “المعالجة النباتية” (phytoremediation)، وأنظمة النانو، وتربية البكتيريا الممتصة للملوثات، تُبشّر بإمكانيات واعدة لكنها لا تزال في مراحلها التجريبية.
ويؤكد أن أي حل فعال يجب أن يبدأ بتحديد دقيق لأنواع التلوث وخصائص التربة، وهي عملية معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً. ويدعو إلى إشراك منظمات المجتمع المدني في جهود إعادة التأهيل، ونشر ثقافة الزراعة العضوية والحفاظ على التنوع الحيوي لتعزيز مناعة التربة على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً: التعاون السوري مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: من نظام الأسد إلى نظام الشرع – 963+
تآكل التنوع البيولوجي
فقدت سوريا 25% من غاباتها وتدهورت أراضيها الرطبة، فهناك 35% من أنواع الحيوانات والنباتات باتت معرضة لخطر شديد بسبب فقدان الموائل الطبيعية والصيد الجائر.
وبحلول عام 2018، دُمر 4.4% من المساكن السورية بالكامل وتضرر 16% جزئياً، كما تضررت أكثر من 50% من مرافق التعليم والصحة، مما زاد من صعوبة مواجهة الكارثة البيئية.
وتسعى منظمات مثل جمعية حماية البيئة السورية (SEPS) إلى رصد التلوث وتنفيذ مشاريع إعادة تأهيل، لكن ضعف التمويل يعوق هذه الجهود.
وتقترح الدراسات حلولاً تشمل تطهير التربة والمياه بالترميم النباتي، وإعادة تشجير الغابات، وتعزيز التعاون الدولي لإزالة الذخائر غير المنفجرة.










