خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب من معركة إسرائيل – إيران فائزاً فعلياً، بعدما عرف كيف “يقطف اللحظة” فارضاً على إسرائيل وقفاً لإطلاق النار، إثر مسرحية الرد الإيراني المدبّر على قاعدة العديد الأميركية في قطر.
وظهر ترامب قادراً على الإمساك باللعبة الإقليمية بطريقة فاعلة، وعلى استثمار تدخل طائراته الشبحية بأسلوب هوليوودي جميل ومحبوك بدقة.
أما الخاسران، إيران وإسرائيل، فيعيدان حساباتهما الآن، بعدما احتفل كل منهما بـ”انتصاره الإلهي”: إيران في ساحة الثورة، وإسرائيل في ساحة تل أبيب. أما الشيطان فيكمن في تفاصيل 12 يوماً من الصخب الحربي.
اقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيلي يكشف نتائج عملية “الأسد الصاعد” العسكرية ضد إيران – 963+
إيران في 12 يوماً
“إن حدث تغيير للنظام فليكن، لكنني لا أريدهُ!”… يعرف الرئيس ترامب أن أياماً معدودات من القصف، واغتيال حفنة من قياداته، لا تسقط النظام في إيران. بواقعية معهودة، ضبط إيقاع الحرب.
لكن، لا يمكن القول إن إيران ما بعد هذه الحرب هي نفسها ما قبلها. فثمة تغيرات لا مفر من الاعتراف بها، كما الاعتراف بأن علي خامنئي ثابت في مكانه، لم يهتز عرشه، ولا قامت عليه الأمة الإيرانية مستعيدة فارسيتها، وملبية نفير رضا بهلوي، معتمر القلنسوة الإسرائيلية، ومنادياً بانتهاز الفرصة الثمينة التي أتاحتها القصف الإسرائيلي لاسترداد عرش أبيه الشاه.
وعلى العكس، أثار بهلوي ردات فعل عنيفة ضده، وأتاه الجواب من الدكتور عبد الكريم سروش، المفكر الإيراني المعارض والمقيم في أميركا، إذ وصفه في بيان بـ”الأحمق والسفيه وعديم الثقافة الذي يعتمد على الأعداء للوصول إلى العرش”.
كذلك، ما وجدت “المعارضات” الإيرانية الفرصة سانحة لأي تحرك ضد النظام، ولا حتى ببيان، فأدركت واشنطن وتل أبيب أن نظام الملالي يحتاج إلى عمل أكبر لإطاحته، وربما إلى عملية برية كبيرة. لكن، من يغامر هذه المغامرة، وفي إيران نحو 40 مليوناً قادرين على حمل السلاح.
الأهم بالنسبة إلى إيران اليوم هو تحديد مدى الاختراق الإسرائيلي لمجتمعاتها المختلفة: السياسي والعسكري والأمني والمدني، خصوصاً بعد اعتراف إيراني واضح بالقبض على 700 عميل للموساد على أراضيها. فهذا الاختراق كان حصان طروادة الإسرائيلي في هذه العملية، ولولاه لما نجح الإسرائيليون في اغتيال قادة عسكريين من عيار محمد باقري، على سبيل المثال لا الحصر.
إسرائيل في 12 يوماً
هل انتصرت إسرائيل في عملية “الأسد الصاعد”؟ سؤال أساسي في إطار تقييم ما حصل في حربها المفاجئة على إيران، والتي انتهت بإخراج مسرحي لوقف إطلاق نار مفاجئ فرضته الولايات المتحدة.
أول خسائرها التي لا تعوض تتلخص في انكشف خلاياها النائمة في الداخل الإيراني، بعدما استنفذت عملاءها في عمليات تحولت من أمنية إلى مكشوفة.
ووصل الانكشاف إلى حد نشوب اشتباكات في شوارع طهران بين عملائها وعناصر الشرطة الإيرانية. ثانياً، هل تمكنت من تحقيق الهدف الأول، وهو تدمير المشروع النووي والصاروخي الإيراني؟ لا يبدو ذلك، خصوصاً أن الولايات المتحدة اضطرت إلى إنهاء العملية العسكرية الإسرائيلية بتدخل مباشر، لضرب منشآت فوردو ونطنز وأصفهان بأقوى ما لديها من قنابل خارقة للتحصينات.
وحتى الساعة، التقارير تجمع على أن الضرر الذي أصاب المشروع النووي الإيراني تؤخره أشهراً قليلة، ويمكن طهران أن تستعيد نشاطها النووي بسهولة. وبذلك لا يكون هذا الهدف قد تحقق.
أما المسألة التي غالى فيها بنيامين نتنياهو، أي إسقاط النظام الإيراني، فالمؤشرات تدل على أنها كانت خطأ في الحسابات.
وظنت تل أبيب أن إيران صورة مكبرة عن حزب الله، وقتل القياديين كفيل بإسقاط المرشد، وهذا ليس صحيحاً. فالدولة العميقة في إيران تبدو قادرة فعلياً على استرداد زمام المبادرة، والدليل القصف الصاروخي الذي أنزل بإسرائيل خسائر كبيرة، خصوصاً بعدما أصاب بدقة معهد وايزن للبحوث في وسط العاصمة الإسرائيلية.
اقرأ أيضاً: “سي إن إن”: الضربات على منشآت إيران النووية لم تدمر مكونات البرنامج الأساسية – 963+
مطرقة منتصف الليل
كانت تل أبيب جادة في قولها إنها ستذهب إلى تدمير منشأة فوردو مع دعم أميركي أو بدونه. وأدركت واشنطن مدى هذه الجدية، فقد فعلتها تل أبيب حين قصفت طهران بلا دعم أميركي، وستفعلها مجدداً بعدما تمكن عملاء الموساد من إسكات الدفاعات الجوية الإيرانية.
فلماذا يقدم ترامب لنتنياهو فضل تدمير فوردو على طبق من فضة؟ كلا، لن يرضى بذلك. وهكذا، بعدما أكد له معاونوه أن الأمر لا يتجاوز طلعة جوية واحدة، بلا مخاطرة تقريباً. فولدت “مطرقة منتصف الليل” التي سمحت لترامب، حتى الساعة، من القول إنه الرئيس الأميركي الوحيد الذي ضرب النووي الإيراني، بعدما تساهل الديموقراطيان باراك أوباما وجو بايدن في ذلك. وبعضهم يتندر بشأن هذه الحادثة بالإشارة إلى أن “حنق ترامب من أنه لن يفوز بجائزة نوبل للسلام مكافأة لجهوده لوقف الحروب الأميركية حول العالم دفعه إلى أن يشهر مطرقة الشبح ويضرب فوردو”.
الخريطة المرسلة بالواتسآب
هاجم ترامب مراسلة شبكة “سي إن إن” ناتاشا برتراند، التي نشرت التقييم الاستخباري بشأن تأثير الضربة الأميركية على إيران، والذي يفيد بأن “المطرقة” لم تفلح في تدمير المشروع النووي الإيراني، بعدما كان ترامب نفسه قد أعلن أن “الشبح أباد النووي الإيراني” الذي انتهى إلى غير رجعة.
وكانت “سي إن إن” قد نشرت أن التقييم الاستخباري الأولي يظهر أن الضربات الأميركية على 3 منشآت نووية في إيران لم تدمر العناصر الأساسية للبرنامج النووي الإيراني، وربما لم ترجعه إلى الوراء إلا بضعة أشهر لا أكثر، موضحةً أن هذا التقييم منقول عن 3 مصادر اطلعت عليه، وقد صدر عن وكالة الاستخبارات الدفاعية، الذراع الاستخبارية لوزارة الدفاع الأميركية. وقال اثنان من المصادر المذكورة إن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لم يُدمر، وإن أجهزة الطرد المركزي سليمة.
ونقلت “تلغراف” البريطانية أن شهوداً قالوا إنهم رأوا طابوراً طويلاً من الشاحنات الخاصة تخرج من منشأة فوردو قبل أيام من الضربة الأميركية، ولعلها نقلت الأورانيوم الإيراني المخصب، من دون أن تتعرض لأي غارة، علماً أن سلاح الجوي الإسرائيلي يتحكم بالأجواء الإيرانية منذ أول ساعة من الهجوم.
ربما يذكرنا ذلك بقافلة: “داعش” الطويلة في البادية السورية، تحت أنظار مقاتلات نظام الأسد والمقاتلات الروسية!










