مع قرار الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية إلغاء التجنيد الإجباري فور استقراره في قصر الشعب، طُرحت تساؤلات عديدة حول مستقبل المؤسسة العسكرية السورية، وما إذا كان هذا القرار يمثل تحوّلاً جذرياً في العقيدة الأمنية للدولة أم مجرد إجراء مؤقت يُملى عليه الظرف السياسي الراهن.
فمنذ عام 2011، تحوّلت الخدمة الإلزامية من التزام محدود إلى عبء مفتوح، دفع الآلاف إلى الهجرة أو التخفي، في وقت فقد فيه الجيش شرعيته المجتمعية نتيجة انحيازه للنظام المخلوع.
وبينما يرى محللون سياسيون، أن إعادة التجنيد قد تؤدي إلى ارتباك وفوضى اجتماعية وتزيد من فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع، يشير خبراء عسكريون، إلى أن ملامح المرحلة الجديدة—بما في ذلك التوجه نحو تدريب الجيش على أسس غربية ومهنية، وتلاقي السياسات الدفاعية مع متطلبات البنك الدولي—تعزز فرضية بناء جيش محترف صغير الحجم ومرن، لا يقوم على التجنيد الإجباري. فهل نحن أمام تحول بنيوي يعيد تعريف وظيفة الجيش السوري، أم أن الشائعات عن عودة التجنيد تعكس صراعاً داخلياً لم يُحسم بعد بين القديم والجديد؟
ومع اندلاع الصراع في سوريا عام2011 استدعت هيكلة جديدة للقوات المسلحة العاملة، فجرى الاحتفاظ بكل الجنود العاملين بمعزل عن انتهاء أعوام خدمتهم الثابتة أو قرب انتهائها، رافق ذلك استدعاء واسع لعشرات آلاف المدنيين ممن أنهوا خدماتهم العسكرية قبل اندلاع الحرب، وقد وصلت سنوات الخدمة إلى نحو 10سنوات بالنسبة للخدمة الإلزامية.
ودفعت الخدمة الإلزامية الشباب التي تسرق زهوة شبابهم، هؤلاء إلى الاغتراب والهجرة خارج البلاد أو التخفي، في ظل طول الخدمة وجدليتها بعد انحياز الجيش السوري السابق إلى النظام المخلوع ومواجهة أبناء جلدتهم.
وقال رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في حديثه عن إلغاء التجنيد الإجباري في كانون الأول/ديسمبر الماضي، إن “بعض الاختصاصات قد تُستدعى، لكن لفترة معينة”، دون ورود إيضاحات حول ماهية تلك الاختصاصات، فيما بدأت تظهر مؤخراً شائعات حول عودة التجنيد الإجباري.
لا يعتقد موفق نيربية، كاتب سوري وناشط سياسي، عودة التجنيد الإجباري وفرضة من قبل الحكومة السورية الجديدة، وفي الوقت عينه لا يتمنى أن يعود سواء في أجواء حماسية أو أن يكون تحت الضغط.
اقرأ أيضاً: سوريا الفرص والأمل
ويقول لـ”963+”، إن “حدث ذلك فسيكون له الكثير من الآثار غير المناسبة، منها؛ ارتباك، ونفور، وبلبلة، وتفاوت بين مكان ومكان وتركيبة اجتماعية وأخرى. إضافة إلى الفوضى الراهنة في حياة الناس وبرامجهم وخططهم الحياتية، التي يحتاج بلدنا إلى ترتيبها”.
ويرى أن التجنيد الإجباري بالمعنى الكامل يكون في بلد مركزي من جهة، وقام بحلّ إشكاليات هويته وقام على وطنية واضحة لم تنجح بعد.
ويتابع: “لا بأس الآن بجيش محترف مبدئياً وترك التجنيد للمناطق اذا احتاجتها.. ويمكن مناقشة التجنيد الإجباري أو المحترف مع مناقشات الدستور لأن لهما جوهراً واحداً”.
تغيّر في العقيدة
نضال أبو زيد، خبير عسكري واستراتيجي، يقيم في الأردن، يقول لـ”963+”، إنه “من المستبعد أن يعود التجنيد الإجباري إلى سوريا، في ظل حديث عن تدريب تركي للجيش السوري الجديد”.
ويوضح أن “ذلك يدل على تحول في عقيدة الجيش من عقيدة تتبع للمعسكر الشرقي الذي كان النظام المخلوع يدرب قواته عليه، إلى عقيدة غربية أشبه بعقيدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)”.
ويضيف أن هذا التحول في العقيدة يعزز فكرة عدم عودة التجنيد الإجباري، خاصة أن قوات “الناتو” لا تفرض التجنيد الإجباري، وهو النهج الأرجح الذي تعمل عليه وزارة الدفاع السورية في الوقت الحالي.
ويشير إلى أن لجوء سوريا إلى البنك الدولي والاقتراض منه، والاقتراب أكثر من المجتمع الدولي المالي، لا سيما أن من ضمن شروط البنك الدولي، عدم وجود تجنيد إجباري من مبدأ تخفيف النفقات.
اقرأ أيضاً: النفوذ التركي والولاءات الخارجية
ويتابع أن تدريب الجيش السوري الجديد من خلال دمج الفصائل العسكرية بات يميل إلى ما يُعرف عسكرياً بـ “اللين آند كلين” (أي الجيوش الخفيفة والسريعة)، وهذا النوع من التدريب الحديث لا يعتمد على المجندين إجبارياً، بقدر ما يعتمد على رفع كفاءة المجندين النظاميين، الذين ينتمون للجيش ويشكلون قوات نخبة أو خاصة، والاعتماد عليهم للقيام بعمليات انتقائية.
ويضيف أن التحول الذي سيتم في الجيش ببنائه على أساس التحديات والتهديدات، الخطر الحالي في سوريا، هو تحدياً داخلياً تتمثل بتنظيم “داعش”، وفصائل مسلحة منفلته بعضها يتبع للنظام المخلوع، وهذه التحديات تميل فيها الدولة لبناء جيوش خفيفة لا تتطلب تجنيداً إجبارياً.










