خلال المسار الطويل للحرب السورية، شكّل التجييش المسلّح أحد أبرز الملامح البنيوية التي طبعت المشهدين الوطني والعسكري على السواء. ومع تصاعد وتيرة المواجهات المسلحة بعد عام 2011، وتوسّع رقعة الصراع في مختلف الجغرافيا السورية، تشكّلت فصائل عسكرية متعدّدة، بعضها انبثق من حركات معارضة منظّمة، وبعضها تأسس بدوافع حماية ذاتية، أو بتدخلات مباشرة من قوى خارجية، في ظلّ تآكل تدريجي لمنظومة السيطرة المركزية لنظام الأسد. وقد برزت تشكيلات عسكرية متباينة من حيث التكوين والدعم والتموضع، لعبت أدواراً مختلفة في مجابهة نظام الأسد، أو تنظيم “داعش”، أو في حماية مناطقها من الانهيار الأمني.
وبينما انحسر حضور معظم تلك الفصائل في مراحل مختلفة من الحرب، ظلّت بعض التشكيلات حاضرة حتى ما بعد سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، سواء من خلال دعم مستمر من جهات خارجية، أو عبر قدرتها على التأقلم في بيئات أمنية مركبة، أو بفعل ما راكمته من شرعية موضعية ضمن مناطق نفوذها.
في آذار/مارس 2025، جرى توقيع اتفاق سياسي بين رئيس السلطة الانتقالية السورية أحمد الشرع، والقائد العام لقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، الجنرال مظلوم عبدي. لم يكن هذا الاتفاق عسكرياً في طبيعته، بل مثّل تتويجاً لمسار متراكم من التفاعل السياسي والأمني، انطلق من اعتراف صريح بالدور الذي لعبته “قسد” في حفظ الاستقرار في شمال شرق البلاد، وتثبيت الأمن في منطقة ظلّت لسنوات عصيّة على الانهيار، رغم اشتعال معظم الجبهات السورية الأخرى.
تشكّلت “قسد” في سياق التحالف الدولي لمحاربة داعش، لكنها تجاوزت سريعاً هذا الدور القتالي المحدود، واستطاعت أن تبني بنية أمنية وإدارية متكاملة، ساعدت على ضبط المجال العام في المناطق التي انتشرت فيها ضمن شمال شرق سوريا، أو ما عُرِف بـ”الإدارة الذاتية”. وقد ارتكزت تجربتها على تأمين احتياجات محلية، وتطوير نماذج حكم ذاتي، بما يتجاوز السياق العسكري إلى أبعاد سياسية ومجتمعية أكثر تعقيداً.
وبينما بقيت كثير من الفصائل العسكرية الأخرى تعمل تحت تأثير التموضع الخارجي المباشر أو التصارع الميداني الضيق، تفرّدت “قسد” ببنية مركزية نسبياً، وخطاب سياسي واضح يطالب بإعادة تشكيل الدولة على قاعدة شراكة مواطنية موسّعة وتمثيل متوازن، ضمن سوريا موحّدة لا مركزية.
في الأدبيات الأكاديمية، تشكّل تجربة “قسد” نموذجاً لما يُعرف في دراسات النزاع بـ”التحوّل من الفاعل العسكري إلى الفاعل المؤسسي”، أي حين تتمكّن بنية مسلّحة من لعب دور في إنتاج أنماط الحكم والتنظيم الأهلي والإدارة، ضمن شروط نزاع مستمر أو ما بعده.
إنّ قدرة “قسد” على الاستمرار في ظلّ التحولات الإقليمية والدولية، واستعدادها للدخول في تفاهمات مع السلطة الانتقالية، يشير إلى تحوّلها إلى كيان فاعل في هندسة الأمن السوري القادم، باعتبارها بنية عسكرية وأمنية وإدارية تحمل رؤية سياسية ومطالب تنظيمية تتجاوز السلاح.
ظلّ جيش سوريا الحرة، خلال السنوات الماضية، من أبرز الفصائل التي حافظت على حضور عسكري فعّال في البادية السورية (وسط البلاد)، ضمن منطقة الـ55 كم المحيطة بقاعدة التنف. وقد تشكّل هذا الفصيل بدعم مباشر من قوات التحالف الدولي، في إطار مهمات عسكرية تتعلّق بمكافحة تنظيم “داعش” ومراقبة تحركات الجماعات المسلّحة المدعومة من إيران في المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني.
اللافت أن جيش سوريا الحرة لم يقتصر في انتشاره على محيط التنف فقط، بل قام بعد سقوط نظام الأسد بسلسلة تحركات ميدانية نوعية، تمثّلت في الانتشار المؤقت في مطار الضمير العسكري، ثم التمركز لاحقاً في محيط مطار السين. وقد قرأت العديد من الجهات هذه التحركات على أنها رسائل رمزية تتجاوز طبيعتها العسكرية، وتعكس محاولة لإعادة تعريف التوازنات الأمنية في وسط سوريا، خصوصاً في ظلّ غياب أي سلطة مركزية متماسكة بعد كانون الأول/ديسمبر 2024.
لا يمكن فصل مسار هذا الفصيل عن بنية الدعم التي تلقّاها، غير أن استمراره حتى منتصف عام 2025 لا يُفسَّر فقط بالغطاء الدولي، وإنما بقدرته على التكيّف الميداني، والتزامه بأدوار محددة ضمن الاستراتيجية الأمنية الإقليمية والدولية في تلك المنطقة. وقد مكّنه ذلك من المحافظة على موقعه كقوة منظّمة ذات طابع تخصصي، ضمن مهام ترتبط بالأمن الحدودي، والمراقبة الجوية، وتأمين نقاط استراتيجية.
وفق المقاربات النظرية في دراسات النزاع، يمكن تصنيف جيش سوريا الحرة ضمن ما يُعرف بـ”الفصائل الوظيفية منخفضة التصعيد”، أي تلك التي لا تطمح للانتشار الأفقي أو فرض مشروع سياسي خاص، لكنها تؤدّي دوراً تكتيكياً داخل بنية الردع الإقليمي، وتستمدّ استمرارها من كونها لا تسبّب صداماً مع بقية الفاعلين، بل تُكمل وظائفهم.
ومع دخول سوريا مرحلة ما بعد نظام الأسد، يبقى جيش سوريا الحرة فاعلاً محلياً يملك رصيداً ميدانياً وتنظيمياً قد يجعله جزءاً من الترتيبات الأمنية القادمة، سواء عبر دمجه في جهاز مكافحة الإرهاب التابع للتحالف الدولي، أو من خلال بقائه كقوة حدودية ضمن منظومة الحماية المحلية للبادية.
في حين برز “جيش الإسلام” كواحد من أبرز الفصائل العسكرية التي لعبت دوراً مركزياً في المعارضة المسلحة في ريف دمشق، خاصة داخل الغوطة الشرقية. وقد مثّل، خلال سنوات طويلة، القوة الأكبر التي واجهت نظام الأسد في تلك المنطقة، مستنداً إلى دعم إقليمي وفّر له الإمكانات التنظيمية والعسكرية لمراكمة نفوذ واسع ضمن واحدة من أعقد ساحات الصراع السوري.
مع استعادة نظام الأسد البائد السيطرة على الغوطة الشرقية في ربيع عام 2018، جرى ترحيل “جيش الإسلام” باتجاه الشمال السوري، حيث أعاد الفصيل تموضعه ضمن المناطق الخاضعة لنفوذ فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا عبر بوابة المعارضة السياسية. ورغم فقدانه قاعدته التاريخية وخسارته للمجال الاجتماعي والسياسي الذي تَشكّل فيه، إلا أنه نجح في الحفاظ على وجود عسكري منظّم، وشارك لاحقاً في الترتيبات الأمنية والإدارية القائمة شمال البلاد، مستفيداً من استمرارية خطوط الدعم والتحالفات السياسية التي رافقته منذ التأسيس.
إن إعادة بناء الجيش في سوريا الجديدة لا يمكن أن تتم على قاعدة تجميع القائم، أو دمج التشكيلات الفصائلية ضمن جهاز واحد، دون التأسيس أولاً لسردية وطنية جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين العنف والشرعية والسيادة. إذ لا يمكن فصل المؤسسة العسكرية عن الإطار السياسي الذي يمنحها وظيفتها ودورها، ولا يمكن لأي هندسة عسكرية ناجحة أن تقوم على بنيات غير متجانسة وظيفياً وثقافياً وسياسياً، ما لم يُعاد تأطيرها ضمن مشروع جامع يعكس التعدد دون أن ينكفئ إليه.
ولعل التحدي الأكبر لا يكمن في الإرادة التقنية لإعادة هيكلة القوة المسلحة، بل في إعادة إنتاج “الجيش” بوصفه أحد تعبيرات الدولة الوطنية الحديثة، لا كامتداد لفصائل سابقة أو ترتيبات أمنية مفروضة بفعل موازين الخارج. وهذا ما يستدعي انتقالاً من “مرحلة السيطرة” إلى “مرحلة البناء”، ومن منطق الضرورة الأمنية إلى منطق الشرعية المؤسسية.










