تعتبر امتحانات الشهادة الثانوية مرحلة حاسمة في حياة الطلاب، حيث تحدد مستقبلهم الأكاديمي والمهني. ومع اقتراب موعد الامتحانات في دير الزور، يواجه الطلاب القادمين من المناطق الريفية تحديات كبيرة تعيق استعداداتهم. بينما يسعى الطلاب لتحقيق أحلامهم، يجدون أنفسهم في مواجهة أزمة سكن خانقة بسبب ارتفاع إيجارات المنازل في المدينة، مما يزيد من تعقيد الوضع.
تشهد مدينة دير الزور سنوياً ارتفاعاً ملحوظاً في إيجارات المنازل، مما يثقل كاهل الأسر بتأمين سكن مناسب لأبنائهم الطلاب الذين يقدمون الامتحانات. كون المراكز الامتحانية موجودة فقط في المدينة، تضطر العديد من الأسر، خاصة من القرى المجاورة، للانتقال إلى المدينة خلال فترة الامتحانات لضمان حصول أبنائهم على بيئة مناسبة للدراسة. بعضهم يفضل سكن أبنائهم مع طلاب آخرين، ولكن مع ارتفاع الأسعار يصبح ذلك تحدياً كبيراً.
أحمد سالم، طالب ثانوي من مدينة هجين بريف دير الزور الشرقي، يروي تجربته لـ”963+” قائلاً: “اقترب موعد امتحانات البكالوريا وكان عليّ أن أذهب إلى المدينة للسكن هناك لأن المراكز الامتحانية تتواجد فقط في المدينة. عند وصولي، وجدت تحديات كثيرة. أولاً، الإيجارات ارتفعت جداً. أصحاب المنازل يستغلون حاجتنا ويطلبون أسعاراً مبالغاً بها. حاولت البحث عن غرفة للإيجار، لكن الأسعار كانت تتجاوز قدرتي المالية”.
ويتابع أحمد: “بسبب الإيجارات غير المعقولة، اضطررت للإقامة مع أربعة طلاب آخرين في غرفة واحدة، وكان أجرها 800 ألف ليرة سورية في الشهر. يوجد فوضى وضوضاء وعدم خصوصية، وهذا يجعل من الصعب التركيز على الامتحانات. نطالب الجهات المعنية بتوفير مراكز امتحانات في القرى تحت إشراف مديرية التربية. حتى الآن، نُستغل من قبل أصحاب المنازل. كما نطالب بتوفير سكن طلابي بأسعار معقولة والضغط على الملاك لوقف هذا الاستغلال”.
اقرأ أيضاً: هيئة التربية بـ”الإدارة الذاتية” تكشف عن نتائج مباحثاتها مع وزارة التربية – 963+
طلاب من خارج المحافظة.. معاناة إضافية
الأزمة لا تقتصر على ريف دير الزور. من محافظة الرقة، جاء الطالب علاء محمد، ليعيش الواقع ذاته.
يقول لـ”963+”: “انتقلت إلى دير الزور قبل حوالي 20 يوماً لأتمكن من تأمين سكن. أعيش الآن مع خمسة من أصدقائي القادمين من الرقة. نقضي معظم وقتنا في البحث عن سكن بديل خوفاً من أن يطردنا المالك عندما يجد مستأجراً يدفع أكثر”.
ويشير علاء إلى أن المسافة الطويلة، التي تتجاوز 200 كم بين الرقة ودير الزور، تضاعف من حجم المعاناة، مؤكداً أن بعض زملائه قرروا التخلي عن التقديم هذا العام، أملاً في افتتاح مراكز امتحانية قريبة العام المقبل.
ويضيف: “الدراسة أصبحت ثانوية أمام احتياجاتنا الأساسية مثل النوم والطعام. نطالب الجهات المختصة بتأمين مراكز امتحانية في الرقة وتوفير مساكن ملائمة للطلاب في المدينة، على الأقل كحل إسعافي”.
الطالبة فاطمة العشيش، من بلدة الصور في ريف دير الزور الشمالي، وجدت نفسها أمام خيار صعب: “لم أجد غرفة للإيجار، فسكنت في شقة مع 15 فتاة، لنستطيع تقاسم الإيجار البالغ مليون وخمسمئة ألف ليرة، ناهيك عن مصاريف المياه والكهرباء، بالإضافة إلى أن الأجواء غير مريحة على الإطلاق، والمذاكرة وسط هذا العدد الكبير شبه مستحيلة. أعيش توتراً وضغطاً دائمين. أطالب بفرض رقابة على أسعار الإيجارات وإنشاء مراكز امتحانية في الأرياف”.
الطالبة سمر الحسن من مدينة الحسكة لا تخفي حجم الإرهاق الذي عانته وتقول لـ”963+”: “الطريق إلى دير الزور طويل ومرهق. ثم هناك قلة في المنازل المتاحة للإيجار، والأسعار مرتفعة جدًا. السكن غير مهيأ للدراسة، الغرف مزدحمة، والضوضاء دائمة. نحتاج مراكز امتحانية في الحسكة لتخفيف العبء”.
أصحاب العقارات: موسم الربح السنوي
في المقابل، يبرر بعض أصحاب المنازل ارتفاع الأسعار بزيادة الطلب وقلة العرض. يقول أبو علي، كما عرف عن نفسه، وهو مالك منزل في دير الزور: “هذه الفترة تعتبر موسماً بالنسبة لي، لأن الطلب على السكن يرتفع بشكل كبير. هذا العام كان الإقبال أكبر بسبب عودة العائلات إلى منازلها، ما قلل من عدد البيوت المتاحة للإيجار”.
ويضيف لـ”963+”: “أحياناً أرفع الإيجار إلى أضعاف ما كان عليه في الأشهر الأخرى. فبالعادة كنت آخذ إيجار المنزل في الشهر 400 ألف ليرة وفي موسم الامتحانات الذي يمتد لشهرين تقريباً أرفع المبلغ لـ مليون ليرة ولكن هذا العام يوجد إقبال كبير وأنوي تأجيره بمليون و500 ألف ليرة. أعلم أن بعض الطلاب يعانون من الأسعار، لكن من جهة أخرى المنزل يتضرر من كثرة الاستخدام ويحتاج إلى صيانة”.
اقرأ أيضاً: انتهاء آخر دورة “تكميلية” لامتحانات الثانوية في سوريا – 963+
مختصون يحذرون من الأثر النفسي
من جانبه، يحذر الأستاذ مشعل الشملان، المرشد النفسي في مديرية التربية، من الآثار النفسية الخطيرة لهذه الظروف على الطلاب: “الضغوط النفسية التي يواجهها الطلاب كبيرة جداً. الانتقال إلى المدينة يعني مواجهة تحديات مثل غلاء الإيجارات والسكن المزدحم، وهذا ينعكس سلباً على تركيزهم واستعدادهم النفسي”.
ويضيف الشملان لـ”963+”: “قلة النوم، والضوضاء، وعدم وجود خصوصية للدراسة كلها عوامل تؤدي إلى الإحباط وفقدان الثقة بالنفس. على الطلاب تنظيم وقتهم جيداً، واللجوء إلى الدعم النفسي من العائلة أو الأصدقاء. كما يجب على الجهات المعنية أن توفر حلولاً سريعة لتقليل هذه الضغوط”.










