أحداث متسارعة ومتلاحقة تتعلق بنظرة واشنطن وتعاملها مع الملف السوري شهدتها الأسابيع الأخيرة، بدءاً بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 13 أيار/ مايو الجاري، رفع العقوبات عن سوريا ثم لقائه رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في الرياض، تأكيد وزراتي الخارجية والخزانة الأميركيتين لاحقاً لقرار ترامب رفع العقوبات، وصولاً إلى تعيين مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، فهمت على أنها تحول كبير في سياسة واشنطن تجاه هذا البلد.
لقاءات ورفع العقوبات
المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، التقى يوم السبت الماضي في مدينة إسطنبول التركية، رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، ووزير الخارجية بالحكومة الانتقالية أسعد الشيباني، وقال في منشور على منصة “إكس” بعد الاجتماع: “التقيت الشرع والشيباني لبحث تنفيذ قرار الرئيس ترامب الجريء بتوفير مساء للسلام والازدهار في سوريا”.
وأضاف: “أكدت مجدداً موقف وزير الخارجية ماركو روبيو، بأنه لو لم نتحرك بسرعة وبوعي لرفع العقوبات، لما تمكن شركاؤنا في المنطقة من توفير أموال المانحين والإمدادات والطاقة اللازمة لتخفيف محنة الشعب السوري”، موضحاً أن “الرئيس ترامب يهدف إلى تمكين الحكومة الجديدة من تهيئة الظروف المناسبة للشعب السوري ليس فقط للبقاء بل للازدهار أيضاً”.
وتابع: “هدفنا الأساسي – الهزيمة الدائمة لداعش – وسيمنح الشعب السوري فرصة لمستقبل أفضل، كما أثنيتُ على الرئيس الشرع لاتخاذه خطوات جادة نحو تفعيل نقاط الرئيس ترامب بشأن المقاتلين الإرهابيين الأجانب، وتدابير مكافحة داعش، والعلاقات مع إسرائيل، والمخيمات ومراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا”.
سبق ذلك، إعلان وزارة الخزانة الأميركية، القرار رقم “25” المتضمن تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، وإعلان وزارة الخارجية رفع العقوبات بموجب “قانون قيصر” لمدة 180 يوماً، بأعقاب لقاء ترامب والشرع في العاصمة السعودية الرياض في 14 أيار/ مايو الجاري، في سلسلة أحداث تعكس تحولاً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، ومحاولة تبني استراتيجية قائمة على تثبيت الاستقرار.
اقرأ أيضاً: سيناريوهات مستقبلية للعلاقات السورية-الإسرائيلية
اهتمام أميركي كبير
الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة المقيم في العاصمة السورية دمشق، يعتبر أن “سوريا اليوم هي في صلب اهتمام الولايات المتحدة، وهذا الاهتمام ليس فقط سياسي وأمني إنما اقتصادي أيضاً، أي أن سوريا أصبحت محل استثمار وبلد فيها مصالح ومفيدة، على عكس السابق التي كانت المصالح الأميركية تقتصر فيها على الجانب الأمني وضمان عدم خروج خطر يهدد أمن واستقرار المنطقة”.
ويشير خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا ذاهبة باتجاه الشراكة الاستراتيجية والتواصل الديبلوماسي الساخن والاستثمار الاقتصادي وانضواء سوريا ضمن محور حلفاء واشنطن بالمنطقة إلى جانب المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وقطر وغيرها من الدول الصديقة لواشنطن”.
ويشدد شريفة، على أن “واشنطن من الممكن أن تضبط إيقاع الاشتباك بين تركيا وإسرائيل في سوريا، لكن إدارة الملف ستكون بملكية سورية، والإدارة السورية هي من ستحقق التوازن في العلاقة مع المحيط العربي وتركيا”، لافتاً إلى أن “إسرائيل من غير المتوقع أن تكون فاعلة في سوريا، بل سيكون هناك تهدئة وفض اشتباك بناءً على اتفاق عام 1974، لكن من السابق لأوانه الحديث عن اتفاق سلام في ظل وجود أراضي سورية محتلة من قبل إسرائيل”.
وكان ترامب، قد قال في كلمة خلال منتدى الاستثمار الأميركي – السعودي بالرياض، إن “في سوريا حكومة جديدة نأمل أن تتمكن من تحقيق الاستقرار، وأن واشنطن اتخذت الخطوة الأولى لتطبيع العلاقات مع دمشق، وسترفع العقوبات عنها لمنح السوريين فرصة جديدة، حيث ستكون هناك للمرة الأولى منذ عقود، علاقات طبيعية بين الولايات المتحدة وسوريا”.
محاولة احتواء سوريا
ويقول الباحث في العلاقات الدولية غسان يوسف المقيم في دمشق، إن “الولايات المتحدة لديها ملفات وأولويات كثيرة حول العالم، مثل التنافس مع الصين والأمن الداخلي الأميركي والاقتصاد والحدود مع المكسيك، والملف السوري جزء من الملفات التي تهتم بها باعتبار ذلك يؤثر على أمن إسرائيل، وعليه فإن سياساتها اليوم هي محاولة احتواء سوريا، وانضمامها للاتفاقيات الإبراهيمية، وألا تصبح مصدراً لتهديد إسرائيل سواء من قبل إيران وحزب الله أو الفصائل الفلسطينية والتنظيمات الراديكالية”.
ويشير خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أنه “على اعتبار أن هناك مفاوضات تركية إسرائيلية في أذربيجان وتفاهمات بشأن سوريا برعاية أميركية، وعليه فإنه سيكون تفاهم بين الجانبين على إدارة الملف السوري وسيحدد كل طرف ما هو المطلوب من سوريا وماهي حدود ما يقوم به، وعليه فإن الدول العربية لن تكون فاعلة في هذا الملف كما أنقرة وتل أبيب”.
اقرأ أيضاً: سوريا إبراهيمية!
موقع “قسد” بالسياسة الأميركية
وبشأن موقع قوات سوريا الديموقراطية (قسد) من السياسة الأميركية تجاه سوريا، يرى يوسف، أن “ما حدث في تركيا ودعوة قائد حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان إلى إلقاء السلاح وبدء العمل السلمي، سينعكس على سوريا، وسيؤدي إلى تخلي قسد عن سلاحها والوصول إلى اتفاق بينها وبين الدولة السورية لاندماجها بالدولة بصيغة ما”، معتبراً أن “هناك توافق أميركي تركي إسرائيلي وحتى من قبل بعض الدول العربية على هذا الحل، على اعتبار أن الولايات المتحدة لن تبقى إلى الأبد في شمال شرق البلاد”.
خطة أميركية لتطوير الطاقة في سوريا
وكانت شبكة “سي إن بي سي” الأميركية قد أفادت في وقت سابق من اليوم الثلاثاء، أن سوريا والولايات المتحدة تناقشان خطة من خمس مراحل لتطوير قطاع الطاقة في سوريا، ونقلت عن الرئيس التنفيذي لشركة “أرغنت” الأميركية للغاز الطبيعي المسال جوناثان باس، أن الخطة الاستراتيجية تتضمن إطلاق شركة “” SyriUS Energy كمشروع سوري – أميركي لإعادة بناء قطاع النفط والغاز بمشاركة شركات كبرى.
وتركز المرحلة الأولى على إعادة فرض الأمن وإجراء تقييم شامل للبنية التحتية، بدءاً بتأمين الحقوق النفطية الأساسية مثل “العمر” و “التنك” وحقول الحسكة، ووضع خطة للحقول الأخرى، فيما تعنى المرحلة الثانية بتحقيق الاستقرار في الإمدادات المحلية عبر إعادة تأهيل مصفاتي حمص وبانياس، وشبكات الأنابيب الرئيسية، مع العمل على توسيع الوصول إلى الغاز الطبيعي للاستخدامات المنزلية والطاقة بشكل متكامل ومستدام.
أما المرحلة الثالثة فتشمل تطوير كيان مدرج في بورصة نيويورك أو ناسداك، يمتلك ويدير الأصول، بهدف تعزيز أو إنشاء شراكات بين القطاعين العام والخاص، وضمان الاستثمار بشكل آمن وجذاب، وإنشاء شركة وطنية سورية جديدة للنفط تحت اسم SyriUS Energy، مع جذب وتنسيق الخبرات الفنية الأجنبية بما يتماشى مع المصالح الوطنية السورية.
كما تتضمن هذه المرحلة تصميم عقود خدمات المخاطر وتقاسم الإنتاج مع الدول الحليفة، من خلال شركات النفط الأميركية الكبرى في هيوستن مثل “إكسون وشيفرون وكونوكو فيليبس، إكسيليريت وتوتال إنيرجي وشل”، وغيرها من شركات قطاع النقل والتكرير والإنتاج.
وتركز المرحلة الرابعة على آليات الحوكمة والشفافية، من خلال إنشاء كيان مدرج في البورصة الأميركية، يمتلك صندوق سيادي خاص للطاقة في سوريا نسبة 30% من أسهمه، لإدارة وتوزيع عائدات النفط بشفافية وثقة، مما يوفر الشفافية للكيانات العامة الأجنبية، بحسب الشبكة الأميركية.
وتشمل المرحلة الخامسة الاستعداد للتصدير والتكامل الإقليمي في مجال الطاقة، ذلك من خلال الصادرات القانونية والمرحلية عبر العراق وإسرائيل أو الموانئ الساحلية المُعاد تأهيلها. إضافة إلى ذلك، التكامل مع الدول المجاورة في البنية التحتية للطاقة، مثل شبكات الكهرباء المشتركة، وخطوط أنابيب الغاز والنفط، كأداة لتعزيز الديبلوماسية الاقتصادية.










