في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، أصبحت العلاقات السورية-الإسرائيلية عند منعطف تاريخي حاسم، تتجاذبه ثلاثة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين استمرار حالة “اللاسلم واللاحرب”، مروراً بمفاوضات تدريجية، وصولاً إلى انضمام سوريا إلى “اتفاقات أبراهام”. وبين هذا وذاك، تلعب القوى الإقليمية والدولية أدواراً محورية، في ظل تغير جذري في تموضع سوريا داخل خارطة التحالفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
“نصف سلام” واستمرار اللاسلم واللاحرب
في هذا السيناريو، تستمر الحكومة السورية الانتقالية في تبني خطاب قومي معادٍ لإسرائيل، كما صرّح الرئيس أحمد الشرع في مارس 2025، داعياً المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لـ”الانسحاب من جنوب سوريا“.
وتزامناً، كثّفت تل أبيب غاراتها على مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية، موسعةً فعلياً من نطاق سيطرتها الأمنية إلى ما يزيد على 460 كلم² داخل منطقة الفصل.
وعلى الرغم من التصعيد، لم تنفجر الأوضاع إلى صراع شامل، بفضل وساطة القوات الدولية (UNDOF) وتمسك الجانبين بسقوف تكتيكية.
وقد كشف الشرع عن وجود “مفاوضات غير مباشرة” عبر وسطاء للحد من التوتر الحدودي، مركّزة على قضايا أمنية كتقنين التوغلات العسكرية ومنع الاحتكاكات العشوائية بين الفصائل والجيش الإسرائيلي.
اقرأ أيضاً: الشرع يبحث مع المبعوث الأميركي عدد من الملفات – 963+
وسعت إسرائيل إلى إقامة “شريط أمني” بعمق 15 كيلومتراً داخل الجنوب السوري، إلى جانب منطقة تأثير استخباراتي تمتد حتى 60 كيلومتراً، وذلك في أعقاب سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
وتشمل الخطة انتشاراً عسكرياً في مواقع استراتيجية مثل جبل الشيخ، إلى جانب مساعٍ لبناء علاقات مع المجتمعات المحلية، خصوصاً الدروز، بهدف تعزيز الاستقرار ودرء التهديدات المحتملة من الميليشيات المدعومة من إيران.
وتبرر إسرائيل هذه التحركات بالفراغ الأمني الحاصل في الجنوب السوري، معتبرة أن حماية حدودها الشمالية والأقليات المحلية ضرورة أمنية ملحّة. في المقابل، أثارت الخطط الإسرائيلية قلقاً دولياً بشأن السيادة السورية، بينما تؤكد تل أبيب أن هذه الإجراءات دفاعية وتهدف إلى احتواء أي تصعيد في ظل التغيرات المتسارعة في الإقليم.
إقليمياً، رحبت بعض دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، بالحكومة الجديدة في دمشق، معتبرةً أنها قد تشكل حاجزاً أمام النفوذ الإيراني. أما تركيا، فتسعى لترسيخ مكاسبها عبر دعم فصائل المعارضة المسلحة والضغط لدمج القوات الكردية في هيكل الدولة السورية.
روسيا بدورها تسعى للحفاظ على امتيازاتها الاستراتيجية في طرطوس وحميميم، فيما تبدي واشنطن حذراً مشروطاً في علاقتها مع دمشق، واضعةً شروطاً واضحة لتخفيف العقوبات، أبرزها نزع الأسلحة الكيميائية وضبط الميليشيات الأجنبية.
وأكد الخبير في العلاقات الدولية ممتاز سليمان، في تصريحات لـ”963+” أن العلاقة بين الإدارة السورية الانتقالية وإيران باتت “عدائية”، مشيراً إلى أن الحكومة الانتقالية تسعى لتكريس سيادتها بعيداً عن النفوذ الإيراني، ما يضع طهران في موقف المتراجع.
إسرائيل، من ناحيتها، تحافظ على “سياسة نزع السلاح الكامل” في الجنوب، مع حماية للأقليات السورية، خاصة الطائفة الدرزية، بحسب الخبير.
اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة تصدر ترخيصاً لتخفيف العقوبات عن سوريا – 963+
ويوفر هذا السيناريو هامشاً للحكومة السورية لإعادة بناء مؤسساتها، والتنسيق مع المنظمات الأممية لاحتواء التنظيمات المتطرفة.
وربما تظل العلاقة هشة وغير مستقرة؛ غياب الثقة، العقوبات الغربية، واستمرار التدخل العسكري الإسرائيلي دون اتفاق رسمي، كلها تهدد بانفجار الصراع في أي لحظة.
مفاوضات سلام تدريجية
تتجه الحكومة الانتقالية، وفق هذا السيناريو، نحو مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء، في ظل انفتاح إقليمي ودولي مشروط. وبحسب مصادر غربية، بدأت الإمارات عبر قناة خلفية بلعب دور الوسيط بين دمشق وتل أبيب بعد زيارة الشرع لأبوظبي في أبريل 2025. وركزت اللقاءات الأولية على التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب.
الولايات المتحدة ترحب بهذا التوجه، لكنها تضع شروطاً واضحة: نزع السلاح الكيماوي، وقف دعم الفصائل المتطرفة، ومنع أي وجود إيراني مسلح داخل سوريا. في المقابل، تبدو موسكو متحفّظة تجاه محادثات تُدار بدون إشراكها.
اقرأ أيضاً: مسؤول إسرائيلي: الإدارة الانتقالية قدمت بوادر حسن نية تجاه تل أبيب – 963+
داخلياً، يعكس هذا المسار تناقضات واضحة. السياسي السوري برهان ناصيف أشار إلى أن “الخطاب المرن لا يعكس تحوّلاً استراتيجياً بل تكتيكاً فرضه الواقع”، مستبعداً إمكانية السلام الكامل بسبب الخلفية الإسلامية للسلطة الجديدة. ومع ذلك، أقرّ بأن “تفاهمات تقنية” قد تتحقق لتجنّب الحرب، دون أن تصل إلى سلام شامل.
وهذا المسار يُمكّن من بناء الثقة تدريجياً وتوفير ضمانات أمنية للطرفين، ويسمح لدول مثل مصر والأردن بلعب أدوار داعمة في التنسيق الحدودي.
وتبقى قضية الجولان العقبة الأكبر، إلى جانب الشكوك المتبادلة حول نوايا كل طرف، خاصة في ظل استمرار النفوذ الإسلامي داخل السلطة الانتقالية. كما تضع إسرائيل شروطاً أمنية صارمة تتعلق بنزع سلاح الجنوب وضبط الجماعات المسلحة.
انضمام سوريا إلى اتفاقات أبراهام
يُعد هذا السيناريو الأكثر جذرية والأقل ترجيحاً في الوقت الحالي، لكنه بات مطروحاً على طاولة النقاش. فقد صرح الرئيس الشرع، في خطوة مفاجئة، أن حكومته “مهتمة بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية تحت الشروط المناسبة”، ما فُسّر كاستعداد لاختراق دبلوماسي كبير.
وهذه الخطوة، إن حصلت، ستحدث تحوّلاً جذرياً في التموضع الاستراتيجي لسوريا، وتجعلها في معسكر التحالف العربي-الإسرائيلي الجديد المدعوم أميركياً. وفي حال تحقق، يمكن أن يؤدي ذلك إلى رفع كامل للعقوبات الدولية، واستقطاب استثمارات خليجية وأوروبية ضخمة.
غير أن الدكتور رائق سليمان شعلان، المتخصص في القانون الدولي، أكد أن أي اتفاق سياسي دون انسحاب إسرائيل من الجولان “باطل قانونياً”.
ورأى شعلان في تصريحات لـ”963+” أن “اتفاقات أبراهام لا تصلح قالباً تلقائياً للوضع السوري، بل يجب معالجة جوهر الصراع أولاً، خاصة قضية الأراضي المحتلة والمياه واللاجئين”.
وقد يعيد انضمام سوريا إلى اتفاقات أبراهام، تأهيلها دولياً، ويعزز مكانتها الإقليمية، ويفتح باباً لإعادة الإعمار الشامل.
ومن الممكن أن يهدد هذا المسار بنشوب صراعات داخلية من قبل القوى الإسلامية والقومية، كما قد يدفع إيران و”حزب الله” إلى التصعيد العسكري، سعياً لإفشاله. كما تبقى مسألة الجولان والأقليات واللاجئين تحديات قانونية وسياسية معقدة.
اقرأ أيضاً: “رويترز”: الإدارة الانتقالية في سوريا وافقت على تسليم مقتنيات جاسوس إسرائيلي – 963+
التفاعلات المتغيرة
مع بروز حكومة انتقالية جديدة في دمشق، باتت خريطة العلاقات السورية-الإسرائيلية مرهونة بديناميكيات إقليمية ودولية متغيرة.
وأكد السياسي ممتاز سليمان أن “الشعب السوري يريد السلام لا الحرب”، معتبراً أن انضمام سوريا إلى تفاهمات أمنية إقليمية، حتى مع إسرائيل، لا يشكّل تهديداً ما دام قائماً على احترام السيادة والمصالح المشتركة.
من جهته، حذر ناصيف من المبالغة في تقييم الانفتاح الحالي، مؤكداً أن “السلطة الجديدة، رغم مرونتها الظاهرة، ستسعى لتسويات مؤقتة فقط، دون توقيع معاهدة سلام شاملة”.
أما الدكتور شعلان، فشدد على أن “أي اتفاق مستقبلي يجب أن يعالج أساس النزاع، وعلى رأسه الجولان، وإلا سيظل هشاً وغير شرعي في نظر القانون الدولي”.
وتعيد المرحلة الانتقالية في سوريا تشكيل طبيعة الصراع والعلاقات في المنطقة. ورغم أن أي من السيناريوهات الثلاثة لم يحسم بعد، فإن الواقع على الأرض يشير إلى تحولات عميقة، ستؤثر على مستقبل الأمن الإقليمي لعقود. فإما تتجه دمشق إلى بناء سلام تدريجي ينهي عقوداً من الصراع، أو تظل غارقة في “نصف سلام” هش، أو تدخل مرحلة تطبيع غير مسبوقة تهدد بتقويض تحالفات تقليدية كبرى.










