طوال ثلاثة أرباع قرنٍ كاملة، كانت سوريا البلد الأكثر صمتاً وانغلاقاً، على مستوى المنطقة وربما العالم. فجميع الأنظمة السياسية شُيدت بعد انطلاق “عهد الصمت السوري” عام 1963، والتي سبقتها سقطت قبلها بزمن طويل، أو بدلت وحدثت نظامها السياسي داخلياً أكثر من مرة.
أنتج هذا الموات السياسي السوري الكثير من الفظائع، كان “تعفن الكلام العام” أبرزها. فطوال تلك المُدة الطويلة، وبينما كان العالم من حول سوريا يغلي بالتحولات وعمليات التحديث، كانت القاموس البعثي/الأسدي قد خنق السوريين بعبارات قليلة ومُقتضبة، غير قابلة للمناقشة أو التفكيك، وطبعاً مستحيلة النقد والتكذيب.
عوز القاموس السوري لم يكن تفصيلاً يتعلق بـ”الكلام” بمعناه المباشر والحرفي، بل كان عوزاً في الحياة العامة كلها، في السينما والمسرح والموسيقا والأدب والخطاب والسلوك العام والإعلام، في قدرة الناس على الخيال والتفكير وتنظيم شؤون يومياتهم وعلاقاتهم العامة، في ترسانة الروابط التي تجمعهم ببعضهم ومع الدولة، وحتى العالم، فهمهم العام للحياة وخيارات ذاكرتهم الجمعية، نوعية الحكايات والأفكار الكبرى المسيطرة عليهم، وأولاً مدى التزامهم بالقيم العليا، القانون والعدالة وحقوق الإنسان ومكانة النساء.. إلخ.
كان السوريون طوال هذا الزمن الطويل مندفعين/مقصورين على الاندراج في مكاذبة كبرى، تتوهم أن العائلة الأسدية والعقائد البعثية هي جوهر الكون ومصدر كل “كلام”. كان ذلك الاندفاع القسري شاملاً ومغلقاً وحاداً، حتى أنه خلق متاركة كبرى بين السوريين وكل ما يناقض أو ينفي ذلك المنطقة. حدث ذلك، حتى صارت المتاركة ذاتية الفاعلية أغلب الأوقات.
فالسوريون اندمجوا وتطبعوا مع الذي كان في البلاد، حتى أنهم تيقنوا وآمنوا بأنه “الشيء الطبيعي والمطلق”. يمكن ملاحظة وكشف ذلك من خلال نوعية الكتابات والعبارات والأدوات المنطقية التي استخدمها مناهضو النظام السياسي نفسه، فهم غالباً ما كانوا ينهلون من نفس القاموس والآليات الاستدلالية التي كانت للنظام نفسه، سواء في رؤيتهم للقضايا السياسية الكبرى، أو حتى ما يعتقدون أنه “السلوك الفردي القويم”.
لأجل ذلك، لم يظهر في عوالم السياسة والثقافة والفنون والاقتصاد السورية ما هو مناقض للمنطق البعثي والرؤية الأسدية جذرياً قط. فمجموع المناهضين السياسيين للأسديين البعثية مثلاً، والذين أطروا طروحاتهم السياسية بالدعوة “الديمقراطية”، أنما كانوا يعون هذه الأخيرة كآلية انتخابية فحسب، أداة لإنزال رأس السلطة الأسدية من على كرسيه الحاكم والجلوس مكانه، دون أية مضامين تحررية متمركزة حول منظومة “القيم الديمقراطية”، التي من المفترض أن تكون محيطة وحامية لكل نظام ديمقراطي. فخطاباتهم العامة وسلوكياتهم التنظيمية ومسيرة تياراتهم السياسية، كانت خلاء من تلك المضامين تماماً، من أشياء مثل مساواة النساء بالرجال أو حرية التفكير والحق في النقد والاختلاف في السلوك والحريات الجسدية. الأكثر إثارة للشفقة كان سلوكهم “المتملق” المماهي للنظام السابق في أكثر رؤاه مكاذبة، أي مسألة “الصمود” ومواجهة الغرب.
ما كان مستتراً في عالم السياسة كان أكثر وضوحاً ومباشرة في بقية الحقول، في السينما والمسرح والدراما والثقافة والفنون. فهذه السياقات التي من المفترض أن تكون عصية على التأميم السلطوي، كانت بعمومها مواتية ومتناغمة مع خيال السلطة الحاكمة وتطلعاتها السياسية، خالية اليدين والتجربة من إمكانية تحليل وتفكيك البؤس السوري هذا، وغير قابلة لأن تكون ذات فاعلية في إثارة خيال السوريين وقدرتهم على التشكيك بمسلماتهم العامة.
لا يتذكر السوريون مثلاً أي جدال عام حدث في بلادهم بشأن أي موضوع كان، ولو على المستوى الثقافي. يُمكن مثلاً مقارنة المداولات الكبرى والحيوية التي كانت تجري في مصر خلال عقد التسعينات بشأن المسألة الدينية وموقع الدين من الحياة العامة والسلطة السياسية، ومقارنتها بذلك البؤس المسطح الذي كان يُمارس في سوريا ويسمى حواراً، بين الأستاذ الجامعي الطيب تيزيني والشيخ السلطوي محمد سعيد البوطي!.
يُمكن إيراد أمثلة لا تُعد تشبه ذلك: أفلام مصر في السبعينات مثلاً أعادت تفكيك المرحلة الناصرية بكثافة وحذاقة منقطعة النظير، ناقدة وفاضحة الدولة البوليسية والسياسات القهرية والكذب البطولي الذي كان. ثم أعادت تفكيك المرحلة الساداتية في الثمانينات، موجهة ألسع أشكال النقد لـ”القطط السمان” وفساد الدولة والساسة.. إلخ، في سوريا أُنتجت الدراما ما يمكن تسميتها بـ”السذاجة الاحتفالية”، بالصور الخلابة والأمجاد الأندلسية وحكايات التراث المختلقة، كتمجيد للبطولة والذكورة فحسب، أما بعض الكوميديا السوداء ضمنها، فكانت مصدراً للتعاسة فحسب.
هل للسوريين اليوم نافذة آمنة نحو دولة ونظام سياسي مختلف!. ربما، لكن يُستحال النفاذ إلى النافذة بأمان دون تنقية الممر أولاً.










