بعد مرور أشهر على سقوط النظام السوري المخلوع، وعمل الإدارة الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، على إعادة البلاد إلى الساحة الدولية، وسط تساؤلات عن إمكانية حدوث تقارب بين دمشق وتل أبيب في ظل التصريحات الصادرة عن المسؤولين السوريين الجدد، وتأثيرها على الأوضاع الإقليمية.
وتسعى الإدارة السورية الجديدة للتركيز على القضايا الداخلية وتحقيق الاستقرار، كما تسعى للسلام وتجنب إشعال أي خلافات. فيما تبرز قضية الجولان المحتل والمناطق التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق كعقبة رئيسية أمام هذا الاتجاه.
لم تهدأ وتيرة الغارات والهجمات الإسرائيلية على مواقع داخل الأراضي السورية منذ الساعات الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، خاصة في الجنوب ومحيط العاصمة دمشق، حيث استهدفت عشرات المواقع العسكرية ودمرت طائرات ومقدرات عسكرية هائلة بدعوى المخاوف من وقوعها في أيدي “جهات معادية”.
كما نفذ الجيش الإسرائيلي توغلات برية متكررة في القنيطرة وجبل الشيخ، بذريعة إنشاء منطقة عازلة بين الأراضي السورية وهضبة الجولان، ملغياً بذلك اتفاق فض الاشتباك الموقع بين الجانبين عام 1974.
لكن الإدارة السورية الجديدة كررت مطالباتها بإيقاف التعديات الإسرائيلية على البلاد، وأطلقت تطمينات بأنها لن تشكل خطراً على الجوار، في حين كشفت مصادر إسرائيلية وسورية مؤخراً عن عقد لقاءات في القنيطرة وأذربيجان، بين مسؤولين سوريين وآخرين من تل أبيب، جاء ذلك بعد أن أعلن الشرع من فرنسا عن وجود محادثات بين إدارته وإدارة نتنياهو.
ومنذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من الرياض، رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، بدأ الحديث عن تحولات مفصلية في المنطقة، نتيجة التقارب السوري الأميركي. ويتوقع انعكاس هذا التقارب على بقية الملفات، وفي مقدمتها علاقة دمشق مع تل أبيب، إضافة إلى عمليات الجيش الإسرائيلي في الأراضي السورية.
اقرأ أيضاً: واشنطن تستضيف اجتماعاً أميركياً – تركياً بشأن سوريا… فهل تتشكل ملامح “التفاهم الكبير”؟
ويجمع محللون على أن ما يجري بين دمشق وتل أبيب لا يمكن وصفه بمحادثات سلام، إلا أنه محاولة لتخفيف التصعيد في ظل ما تواجهه إدارة الشرع من تحديات داخلية، على رأسها العقوبات الأميركية والغربية، مشيرين إلى أن دمشق قد تطبع مع إسرائيل لكن بعد سنوات من الآن.
تواصل لاحتواء التصعيد
يقول بشار علي الحاج علي، ديبلوماسي سوري سابق وباحث في الشؤون السياسية والدولية، لـ “963+”، إن ما يجري حالياً لا يمكن وصفه بأنه “مفاوضات سلام” تقليدية، بل هو تواصل غير مباشر عبر وسطاء، هدفه احتواء التصعيد ومنع الانفجار الإقليمي في ظل هشاشة داخلية سياسية وأمنية.
ويضيف: “دمشق الجديدة تعي أن المرحلة الانتقالية حساسة، وتدرك أن ملفاً بهذه الحساسية لا يمكن حسمه إلا بتدرج، بينما تواجه تل أبيب انقسامات أعمق، من تبعات تحديات غزة والرأي العام العالمي، وخصوصاً مع تزايد تأثير اليمين الرافض لأي انسحاب من الجولان”.
ويرى حاج علي أن “الموقف الإسرائيلي غير موحد، ويتسم بالتشظي بين تيارات سياسية وأمنية، هناك من يرى ضرورة احتواء الوضع الجديد في سوريا وتفادي صدامات مع قوى صاعدة كتركيا، وهناك من يرفض أي تنازل ويدفع باتجاه فرض أمر واقع دائم. لذا، يصعب الحديث عن سياسة موحدة تجاه سوريا، في ظل تعدد الحسابات وتناقض المصالح داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية”.
ويشير إلى أن الانسحاب من الجولان لا يبدو خياراً مطروحاً حالياً، لكنه لا يُستبعد ضمن صفقة شاملة ترتبط بتحولات استراتيجية وضمانات متبادلة. الجولان ليس فقط قضية أمنية، بل قضية رمزية في الوعي الإسرائيلي، ومع ذلك فإن البراغماتية الإسرائيلية لم تغب عن ملفات مماثلة في مراحل سابقة، ولا يزال الملف قابلاً للتفاوض في حال توفرت معطيات داخلية وإقليمية جديدة.
ويتابع حاج علي أن “الرئيس السوري الجديد لا يمثل فصائل أو جماعات، بل جاء ضمن مسار انتقالي يحاول ترسيخ منطق الدولة وفك الارتباط مع المحاور التقليدية. السلام بالنسبة لسوريا يجب أن يكون من موقع السيادة، لا من موقع الضعف أو الإملاء. حيث أن انفتاح البلاد نحو الغرب يرتبط بإرادة وطنية مستقلة تعيد صياغة السياسة الخارجية بما ينسجم مع مصالح السوريين، لا مع إرث الجماعات أو تبعيات الماضي”.
تطبيع مستبعد
يقول الخبير في العلاقات الدولية والاستراتيجية، حسين الديك إن محادثات السلام بين دمشق وتل أبيب في الوقت الحالي مستبعدة، حيث تركز الحكومة الانتقالية على الوضع الداخلي والتنمية المحلية وإعادة الإعمار ورفع الحصار عن الشعب السوري، منذ 14عاماً من الجرائم التي ارتكبها النظام المخلوع.
ويضيف لـ “963+”، أن رؤية الحكومة السورية الحالية تركز في المرتبة الأولى على إعادة الإعمار والتنمية وتحقيق الاستقرار والمحافظة على وحدة سوريا وهو ما تراه ملحاً، وفي حال حققت ذلك قد تنظر في السلام مع إسرائيل. “كما ستلجأ دمشق في المستقبل القريب إلى الطلب من القوى الدولية والإقليمية والولايات المتحدة، بلجم تل أبيب عن تعدياتها على الأراضي السورية وإيقاف العمليات العسكرية والتوغلات”.
ويشير إلى أن “إسرائيل تحاول اللعب على الوتر الطائفي لتقسيم سوريا إلى كيانات، إذ ترغب تل أبيب بأن تبقي سوريا دولة ضعيفة مفككة، ولا تهتم بالأقليات كما تدعي، بل تبحث عن تحقيق مصالحها”. مشيراً إلى أن الرؤية الدولية تسعى إلى وحدة سوريا وبالتالي حلحلة المشكلات التي تحاول خلقها إسرائيل، وتحقيق نوع من الاستقرار في المنطقة.
ويستبعد الديك انسحاب إسرائيل من الجولان المحتل، خاصة أن الحكومة السورية لا زالت ضعيفة، مؤكداً على أن تل أبيب لن تنسحب من الأراضي التي سيطرت عليها منذ عام 1967 تحت أي ظرف كان، ولن تستطيع أي قوى في العالم إجبارها على ذلك.
اقرأ أيضاً: برج ترامب وخطة مارشال … هل ينجح الشرع في إغراء حاكم البيت الأبيض؟
ويضيف أن “توقيع اتفاقية سلام بين دمشق وتل أبيب يعتبر أمراً مستبعداً على المدى القريب، لكنه قد يحدث بعد خمس سنوات من الآن، أي بعد تشكيل برلمان وحكومة واختيار رئيس للبلاد بواسطة صناديق الاقتراع”، مشدداً على أن “السلام بين إسرائيل وسوريا غير مطروح حالياً كونه يخضع لاعتبارات خارجية وداخلية، وأن دمشق لن تُطبّع مع تل أبيب مالم تطبّع جميع الدول العربية”.
من جهته، يقول الخبير الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي، عادل شديد لـ “963+”، إن الرسائل التي أرسلتها إدارة الشرع كانت مطمئنة لإسرائيل، مشيراً إلى أن ذلك قد يكون اشتراطاً وضغطاً أميركياً لمساعدة دمشق.
ويؤكد بأن “إسرائيل التي تحتل الجولان ومناطق واسعة في الجنوب السوري، تنظر إلى هذه الرسائل على أنها ضعف من الحكومة السورية الانتقالية وأن الرئيس الشرع بات مردوعاً، لذلك يأتي الرد الإسرائيلي بمزيد من القوة والعنجهية”.










