في ظل تصاعد التحولات الإقليمية وتبدل موازين القوى في الملف السوري، يعقد اليوم الثلاثاء في العاصمة الأميركية واشنطن اجتماع لمجموعة العمل الأميركية – التركية، لبحث مستقبل سوريا والتعاون الثنائي بشأن القضايا الأمنية والسياسية المرتبطة بها. ويرأس الوفد التركي نائب وزير الخارجية نوح يلماز، في حين يرأس الوفد الأميركي نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو، وفق ما أفادت وكالة “الأناضول” التركية.
الاجتماع يطرح تساؤلات أساسية: هل دخلت تركيا وواشنطن مرحلة تنسيق جديدة تتجاوز التباينات السابقة بشأن الشمال السوري؟ وهل يمكن أن تمثل هذه الجولة تمهيداً لإعادة رسم خارطة النفوذ والتحالفات داخل سوريا، خاصة في ضوء حديث واشنطن عن “إعادة تنظيم وجودها العسكري” هناك؟
أجندة شائكة… ومساعٍ لتقاطع الأولويات
بحسب ما أوردته وكالة “الأناضول”، فإن الاجتماع يهدف إلى بحث “أولويات تركيا والولايات المتحدة في سياساتهما تجاه سوريا”، مع التركيز على “فرص التعاون من أجل تحقيق الأمن والاستقرار” في البلاد التي تشهد نزاعاً دموياً منذ 2011.
ويتصدر جدول الأعمال ملف مكافحة التنظيمات الإرهابية، وتحديداً تنظيم “داعش”، إضافةً إلى مناقشة الدعم التركي المقدم للحكومة السورية الانتقالية.
ومن الملفات ذات الحساسية البالغة في هذه الجولة: “تقييم فرص التعاون بشأن المعسكرات التي تضم مقاتلي داعش في شمال شرقي سوريا”، إضافة إلى تقديم الولايات المتحدة معلومات عن “إعادة تنظيم وجود قواتها” في المنطقة، وهي خطوة تشير إلى مراجعة محتملة للانتشار العسكري الأميركي، مع ما تحمله من تداعيات أمنية واستراتيجية.
الكاتب والمحلل السياسي فراس رضوان أوغلو، المتخصص في الشأن التركي، أكد في تصريحات خاصة لـ”963+” أن “مسألة قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والمشروع الفيدرالي في سوريا يمثلان خطاً أحمر أساسياً بالنسبة لأنقرة”.
اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يوافق على رفع كامل العقوبات المفروضة على سوريا – 963+
وقال أوغلو: “أي محاولة لتقسيم الأراضي السورية عبر صيغة فدرالية يقودها حزب الاتحاد الديموقراطي ستكون مرفوضة بشكل قاطع من أنقرة، التي تعتبر وحدة الأراضي السورية أولوية قومية لا تقبل النقاش”.
وأشار أوغلو إلى أن “تركيا باتت الطرف الوحيد القادر على ملء الفراغ الأمني والعسكري في حال انسحبت القوات الأميركية”، مضيفاً أن “دور أنقرة في دعم الحكومة السورية الانتقالية لم يقتصر على محاربة داعش، بل امتد إلى حماية البنية السياسية الموحدة لسوريا، ومنع تمدد نموذج الفدرالية إلى مناطق مثل السويداء”.
وفي سياق متصل، دعا أوغلو إلى إعادة المقاتلين الأجانب في معسكرات داعش إلى دولهم الأصلية، محذراً من أن بقاءهم قرب الحدود التركية “يشكل تهديداً أمنياً مباشراً”. وشدد على أن “نجاح التعاون التركي – الأميركي في هذا الملف قد يؤدي إلى إنهاء الحاجة الأميركية لقوات قسد، مما سيدفعها عاجلاً أم آجلاً للالتحاق بالحكومة السورية الانتقالية”.
اقرأ أيضاً: رفع العقوبات الأميركية يُنعش الآمال بتحسن الأوضاع شمال غربي سوريا – 963+
العلاقات الشخصية وتأثير ترامب
بدوره، تحدث المحلل السياسي فراس بورزان، عن تأثيرات السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، مشيراً إلى أن “علاقته الشخصية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ساهمت في خلق قنوات تفاهم استثنائية، عززت من موقع أنقرة كلاعب لا يمكن تجاوزه في الملف السوري”.
وقال بورزان لـ”963+” إن “واشنطن، حتى خلال فترة ترامب، سعت إلى تقليل التوترات الإقليمية، مما رسّخ موقع تركيا كقوة استقرار إقليمي، لا سيما بعد تراجع نفوذ النظام السوري ونجاح المعارضة المدعومة من أنقرة في تحقيق مكاسب ميدانية”.
وفي تقييمه لتطورات المشهد في شمال شرقي سوريا، أوضح بورزان أن “الوضع مرشح لتغييرات جوهرية تصب في صالح الحكومة السورية الانتقالية”، لكنه حذر من أن “المعادلة تظل معقدة وتحتاج إلى وقت، في ظل التوازنات الدولية الحساسة”.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد كشف، الخميس الماضي، عن نية واشنطن تقديم الدعم المباشر للحكومة السورية الانتقالية في عدة ملفات، وذلك خلال اجتماع ثلاثي عقد في مدينة أنطاليا التركية، وجمعه بنظيريه التركي هاكان فيدان، والسوري الانتقالي أسعد الشيباني.
وقال روبيو إن “تحقيق الاستقرار في سوريا يعزز أمن المنطقة ككل”، مؤكداً أن “الولايات المتحدة ستفعل كل ما بوسعها من أجل دعم هذا الهدف”.
وأضاف أن “الرئيس ترامب سيبدأ بإصدار إعفاءات أولية من العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، على أن يتم رفعها بالكامل في حال أحرزت الحكومة الانتقالية تقدماً ملموسا”.
اقرأ أيضاً: بعد قرار ترامب رفعها.. ما هي العقوبات الأميركية على سوريا؟ – 963+
وفي السياق ذاته، أكد الشيباني أن “الشعب السوري يتطلع للانخراط مجدداً في المجتمع الدولي”، مشدداً على رغبة الحكومة الانتقالية في “تحقيق الاستقرار والازدهار في سوريا والمنطقة المحيطة بها”.
يشار إلى أن هذا التطور السياسي والديبلوماسي جاء بعد لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع في العاصمة السعودية الرياض، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهو ما رُجّح أن يكون لحظة تحول في الموقف الأميركي الرسمي تجاه سوريا.
ويرى مراقبون أن اجتماع واشنطن بين الوفدين التركي والأميركي لا يُمكن قراءته بمعزل عن المتغيرات الإقليمية الأخيرة، لا سيما عودة الحديث الأميركي عن دعم الحكومة الانتقالية، وتخفيف العقوبات، وإعادة تموضع القوات الأميركية في سوريا.
وفي الوقت الذي تطرح فيه تركيا نفسها كقوة إقليمية قادرة على ضمان الاستقرار، تسعى واشنطن على ما يبدو إلى بناء شراكة جديدة في الملف السوري تتجاوز الهواجس السابقة، وتجمع بين أهداف مكافحة “الإرهاب” وتحقيق الانتقال السياسي.










