أمام التصاعد المستمر لأعمال الإرهاب الذي تمارسه الجماعات “الإرهابية” الإسلامية في عديد من المناطق السورية وما يصاحب ذلك من السقوط المستمر في مفهوم الدولة وبنيانها وتآكل كل ما يمت لمفهوم المواطنة بصلة، تعود في الأيام الأخيرة مطالب بعض الطوائف الدينية في سوريا (تحديداً بعض الأصوات من الطائفة الدرزية والعلوية) بالحماية الدولية كطوق نجاة في مواجهة التهديدات الوجودية التي تمارسها هذه الجماعات والتي تتخيل أن لها رباط ما بأبناء بني أمية. والحال، فإن هذه المطالب لا تعبر عن ترف سياسي، يمكن أن يختلف أو يتفق معه سياسياً أو قانونياً، بمقدار ما تنطلق من عمق آلام رافقت شرائح واسعة من السوريين في ظل الجرائم المستمرة التي بدأها نظام بشار الأسد ويستمر بها اليوم جهاديو دمشق.
ورغم ذلك، فإن مثل هذه المطالب تثير بعض الإشكالات المعقدة عند الكثير من السوريين تتراوح بين الاتهامات في العمل لصالح قوى دولية وإقليمية، على رأسها إسرائيل، وبين التشكيك في نواياهم واتهامهم بالسعي لتقسيم البلاد والخيانة والخروج على ما يسمى بالسيادة السورية و”تقوض الجهود الوطنية الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار في كافة أنحاء الوطن”، كما جاء في بيان الوزارة الخارجية السورية. غير أن هذه الانتقادات لا تتعامى على الواقع الدامي القائم الذي تتعرض له هذه الأقليات فحسب، بل تتجاهل نفسها كذلك الشعارات التي كان يرفعها السوريون أثناء الثورة السورية التي لطالما طالبت بحماية دولية، وهم اليوم أنفسهم يخونون من يطلب الحماية.
من المهم الإشارة هنا إلى بُعْد قلما يتم التطرق إليه، وهو أن الخلفية الطائفية (والعداء الإثني للأكراد في سياقات أخرى) تلعب دوراً جوهرياً للأسف في إنتاج مفردات الخطاب السياسي السوري، لا سيما مصطلح “التخوين” الذي يُستخدم بكثافة ضد من يطالب بالحماية الدولية من الجماعات الدينية أو العرقية المُهدَّدة. ويلاحظ أن هذا المصطلح غالباً ما يصدر عن بعض من أطراف الخطابات السنية التي تمارس اليوم مهنة التشبيح للنظام الجديد، والتي تتخيل نفسها اليوم في موقع قوة أو سلطة رمزية على مستوى الخطاب أو الهيمنة السياسية والاجتماعية على الفضاءات الاجتماعية السورية. في هذا السياق، تُقدَّم السيادة الوطنية بوصفها مقدّس لا يجوز المساس به (فيما أن الواقع يقول أن هذه السيادة ليست سوى مخيال سوري آخر ولا وجود له على أي بقعة سورية)، وبنفس الوقت يتم إفراغ المطالبين بالحماية من سوريتهم، لا وفقاً لأطر قانونية (المفتقدة أصلاً)، بل انطلاقاً من رؤية طائفية سنية تُعرّف “الانتماء الوطني” على أسس أكثرية مطيّفة، بل والأخطر من ذلك أن يتم استبطان شبهة الخيانة لكل صوتٍ ينتمي إلى الأقليات (وهذا له تاريخ طويل في المشرق العربي ضمن السياسات القومية البعثية العروبية).
للأسف لقد تحول مبدأ السيادة الذي تتبجح به السلط التي تسيطر على دمشق وتقف ضد من يطالب بالحماية إلى ذريعة يتم من خلالها تبرير الصمت عن الجرائم الإرهابية، أياً يكن من يرتكبها، سواء هذه السلط الحاكمة نفسها أو الجماعات التكفيرية البربرية المنفلتة من كل عقال يمت للدولة بصلة، والتي تمارس عنفها المقدس، ذلك العنف البربري الذي يرتكب تحت يافطة “أهل السنة والجماعة”. والحال، فإن رفض الحماية الدولية ضمن حجج طهرانية الدولة الزائفة (لأنها أساساً مبنية على أساس طائفي) لا يمثل سوى التواطؤ المقيت مع الإرهاب الذي تمارسه هذه الجماعات. من هنا تنبع شرعية هذه المطالب لا من رغبة في التدخل الخارجي بحد ذاته، بل من غياب الدولة وفشلها في أداء واجبها الأساسي في حماية جميع مواطنيها دون تمييز، وسيادة القتل والإرهاب الإسلامي محل الدولة.
لا يفهم من الكلام السابق أنه هناك تماهي مع سياسات التدخلات الدولية ولا مع يافطة «حماية الأقليات» التي لطالما ارتبطت بعمق السردية الكولونيالية منذ القرن التاسع عشر في ظل الإمبراطورية العثمانية، حينما استخدم هذا الشعار لتبرير أطماع القوى الدولية في السيطرة والهيمنة على المشرق العربي ومكوناته الاجتماعية. غير أن الشرط التاريخي السوري اليوم، بكل ما يكتنفه من ألم، يستدعي اقتضاء حلول عاجلة ترتبط بشرعيات وجودية لمكونات اجتماعية مهددة بوجودها، وخاصة أننا اليوم أمام سلط سياسية، أقل ما يقال بها (بصرف النظر عن خلفياتها السابقة) أنها تثبت فشلها يوماً بعد آخر في حماية مواطنيها السوريين، وهذا في ظل السواد البربري لجماعات الإرهاب المقدس الأممي الذين لا يعترفون أصلاً بالدولة.
من هنا، تكتسي مطالب الحماية الدولية، رغم تعقيدات ذلك، مشروعيتها من الشرط التاريخي الذي فرض على سوريا، لا بوصفها امتيازاً للأقليات، بل كحق لمجتمعات مهددة بوجودها. أما التبجح بمفاهيم السيادة فهو لا يعبر سوى عن فراغ في فراغ (لكن مغلف برداء طائفي مقيت) لم يعد له أي حامل موضوعي في وقت تتصارع فيه قوى الإرهاب على رقعة جغرافية أصبحت مجرد مسرح لتصفية الحسابات الطائفية والإقليمية والدولية. شرعية هذه المطالب تنبع إذاً من غياب سيادة الدولة نفسه وتغول الإرهاب والقتل بناء على مفردات الهوية الطائفية. فعندما تنهار سلطة الدولة أو تتآكل سيادتها، وتتفشى الجرائم باسم الدين وطوائفه، تُصبح الحماية الدولية ضرورة تفرضها الشروط الراهنة التي يسيطر عليها اليوم جهاديو دمشق.
نشرت هذه المادة في العدد العاشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 9 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد العاشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










