من سيحمل كل هذا العبء السوري؟ حيث إن كل شيء في البلاد مُحطّم: مدنها، وبُنى مؤسساتها، وآليات عمل أجهزتها، واقتصادها، ووعيها بذاتها، ورؤيتها لمستقبلها. هذه التفاصيل، التي أكدت حكايات بلدان وتجارب حروب أهلية عديدة أخرى، أنها لا تلتئم إلا بقوى ومؤسسات سياسية منظمة، تستطيع أن تُجسد إرادة المجتمع وحاجاته في الدولة، ولا يمكن إلا لذلك أن يكون سبيل الخروج.
لكن، ماذا سيحدث حين لا تكون هذه القوى والمؤسسات السياسية المنظمة متوفرة؟!
وفقاً للوقائع، لا يمكن للسلطة الجديدة الحاكمة في سوريا أن تُعيد بناء البُنى التقليدية لمؤسسات السياسة والحُكم التي كانت قائمة سابقاً: منظمات جماهيرية رديفة لحزب البعث، مادة دستورية تحتكر السلطة له، توليفة من أحزاب شكلية شريكة في الحكم لكنها ملحقة به فعلياً، فضاء عام مسيطر عليه بالكامل، يُمجّد صورة القائد/الأب، مؤسسات دولة مصممة بتبعية فولاذية، وخطاب عام تقريعي يختزل الحياة العامة في قاموس شديد الفقر من المفاهيم.
لكن، في المقابل، لا تستطيع هذه السلطة أيضاً أن تُشيّد النقيض من ذلك: أحزاباً وطنية، ومواثيق مدنية، وأجهزة حكم وإدارة تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، ونزوعاً وطنياً واضحاً نحو التوافق في القضايا الحساسة والمختلف عليها. بل إنها لا تستطيع حتى فتح المجال لأن تكون البلاد قائمة على مثل هذه العناصر.
ثمة ترسانة صلبة من الأسباب والوقائع تحول دون قدرتها على الأمرين معاً. فالسوريون، كمجتمع وحركة حياة وتواصل مع العالم، صاروا مجتمعاً مختلفاً، جزء أساسي من ذاكرتهم وتجربتهم مبني على التضاد التام مع ذلك النموذج التوليتاري. كما أن الاقتصاد السوري غير قابل لأن يكون ريعياً يموّل تلك الهياكل، والخطابات والبرامج التعبوية المرتكزة على القضايا المركزية لم تعد تقنع أحداً، خصوصاً من عاش المأساة السورية.
إلى جانب هذا العجز، فإن الحكام الجدد قد يرون في أية هيكلية سياسية واضحة خطراً عليهم، لا سيما أنهم من خلفيات فقيرة سياسياً في الأساس، ومن تشكيلات وبُنى وأنماط وعي عام لا تصلح للانخراط في أجسام منظمة قائمة على أنظمة داخلية واضحة. كما أن مخيلاتهم وقدراتهم أضعف من أن تستوعب تلك التنظيمات، حتى لو كانت موالية لهم، لأنهم يخشون انقلابها عليهم في أي وقت.
سوء القدرة على “هيكلة السياسة” ليس مقتصراً على الحاكمين الجدد فقط. فمعطيات السنوات الماضية، والشهور القليلة منذ سقوط النظام السابق، أظهرت عجزاً سورياً بنيوياً ومستداماً في هذا الاتجاه، نابعاً من تراكمات بنيوية في الاجتماع السياسي السوري.
الأسباب كثيرة. فالتجربة السورية لم تعرف، تاريخياً، هياكل سياسية وطنية مُنظّمة بالمعنى الحقيقي. فقد كانت سوريا حالة سياسية فريدة على مستوى العالم، حيث لم تتأسس فيها قط أحزاب سياسية وطنية واضحة الخيار والخطاب والاستراتيجية. فعلى مدى تاريخها، كانت التنظيمات السياسية فيها إما فوقية تتجاوز الكيان السوري، كحزب البعث وحركة الإخوان المسلمين، أو محلية مناطقية، كالأحزاب الكردية وتنظيمات البرجوازيتين الشامية والحلبية.
الحرب الأهلية ضاعفت من عجز السوريين وقللت من اهتمامهم بالسياسة، خاصة تلك القائمة على الهياكل المنظمة. فالثورة، التي انطلقت كتعبير سياسي، ما لبثت أن تحولت إلى صراع أهلي عنيف، وإن حاولت إخفاء هذا الوجه عبر تقية خطابية ما تزال فاعلة في الخطاب العام السوري.
دفعت الحرب الطويلة، المليئة بكل أشكال القهر والعنف، وكمّ هائل من الخراب، السوريين إلى اعتبار السياسة شيئاً لا طائل منه، وفاقدة لأي قدرة على الفعل، حتى ولو كانت عبر تنظيمات تضم مئات الآلاف من الأعضاء. استسلم السوريون لهيمنة “القوة” فقط، مقتنعين في وعيهم الجمعي بأن “القوة”، خصوصاً العنيفة منها، هي وحدها القادرة على الفعل، وعلى التغيير، وعلى الحماية.
مع ذلك، يبدو أن “حصار الزمن” يدفع السوريين بقوة نحو الابتعاد عن السياسة المنظمة. فكل ما يحيط بهم، في الإقليم والعالم، يشير إلى أن الشعبوية الخطابية هي “الرؤية الإرشادية” للحياة العامة اليوم، وأن التنظيمات السياسية لم تعد تُرى إلا نادراً في قلب الفعل السياسي وصناعة القرار.
لكن السوريين يختلفون في كل تفصيل عما يحدث في العالم. فبلادهم مدمّرة بالكامل، ودولتهم فاقدة لمؤسساتها وأنظمتها وأعرافها، على عكس الدول الأخرى التي لا تسمح للشعبوية السياسية إلا أن تكون سطحية التأثير، ومحكومة بقيود الفعل المؤسساتي الرصين.
إن هذا العزوف، وسوء القابلية، والعجز السوري عن بناء هياكل سياسية منظمة وواعية بدورها، لن يُنتج سوى “الفراغ”، ذلك الذي يفتح الباب واسعاً أمام نهوض التنظيمات الأولية في الفعل العام: العشائر والطوائف والقوميات والمحليات والزعامات المناطقية. هؤلاء، بدورهم، لن يُنتجوا سوى مزيج من خطابات الهوية المناهضة للآخر، وخرابٍ عام في كل اتجاه، لأنهم الأكثر قابلية واستعداداً للتعامل الزبائني مع السلطة، ومراكمة النفوذ من خلاله.
نشرت هذه المادة في العدد التاسع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 2 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد التاسع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










