في ظل الارتفاع المستمر لمنسوب التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف الأمنية في المنطقة، مثّل قرار الحكومة الأردنية بحظر جماعة “الإخوان المسلمين” خطوة دالّة وفارقة، حيث أثار العديد من التساؤلات سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. إن قرار حل الجماعة في الأردن جاء في وقت يحمل الكثير من المضامين، خاصةً وأنه وقع بعد فترة من الشد والجذب بين الدولة والتنظيم، ووقوع الجماعة ممثّلة رسميًا في البرلمان، فضلًا عن كون ذلك يتقاطع يقينياً مع جملة من التحولات الإقليمية التي أنتجت تضييقًا متزايدًا على تنظيمات الإسلام السياسي.
في هذا الحوار الخاص، تحدث الدكتور سعود الشرفات، العميد السابق في جهاز المخابرات الأردنية ومؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب، في العدد التاسع من صحيفة “963+” مسلطاً الضوء على حيثيات القرار الأردني، وأبعاده الأمنية والسياسية، وتداعياته المحتملة، ومآلات الجماعة على المديين المتوسط والبعيد، ومتناولاً السياق النيابي والرسائل الإقليمية التي حملها القرار، في محاولة لفهم أعمق للمشهد الأمني والسياسي الذي يحيط بهذه الخطوة المفصلية.
اقرأ أيضاً: صراع السيادة: الأردن يواجه “الإخوان” و”حماس” على جبهة الداخل – 963+
في الآتي نص الحوار كاملاً:
في البداية، ماذا حدث؟ وما الذي دفع الحكومة الأردنية لاتخاذ قرارها حظر “الإخوان”؟
أعلنت الحكومة الأردنية في 23 نيسان/أبريل 2025 حظر نشاط جماعة “الإخوان المسلمين” بعد قرار حلّها رسميًا من قبل محكمة التمييز في عام 2020، مستندة إلى اكتشاف أربع خلايا متهمة بتصنيع صواريخ وطائرات مسيّرة وعبوات ناسفة، وامتلاك أسلحة آلية ومتفجرات شديدة الخطورة. مثل هذا القرار يعكس مقاربة أمنيّة صارمة، فضلًا عن كونه جاء بالتزامن مع تحولات إقليمية شديدة التسارع في نقاط جغرافية ساخنة، نحو تضييق الخناق على التنظيمات الإسلامية السياسية، وتحديداً في ضوء توترات متصاعدة مع بعض الدول والمجموعات الإقليمية.
لكن، داخلياً، كيف كان ذلك، والجماعة ممثّلة رسميًا في البرلمان؟
دعني أقول لك مسألة مهمة لأي دولة: رغم تمثيل الجماعة رسمياً في البرلمان عبر “حزب جبهة العمل الإسلامي”، فإن الدولة الوطنية تعتبر التحوّل إلى العمل المسلّح مؤشرًا كافيًا للإقدام على حظر جماعة “الإخوان المسلمين” ومنع أي نشاط علني أو سري محتمل، وهو ما نفذته الأردن بالضبط.
ماذا عن السياق الأمني الذي سبق قرار الحل؟
ما سبق قرار الحظر كان كافيًا للدولة أن تتخذ عدة خطوات من أجل الحفاظ على أمن الدولة واستقرارها؛ كان اكتشاف أربع خلايا ضمّت 16 شخصًا متهمين بتصنيع صواريخ قصيرة المدى، وطائرات مسيّرة، وعبوات ناسفة، وسلاح آلي داخل المملكة، ما اعتُبر تجاوزًا للنشاط السياسي السلمي، وتحولًا نحو التخطيط لأعمال مسلّحة. كما تزامن ذلك مع تصاعد الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل، ومشاركة جماعات إسلامية في مظاهرات شهدت دعوات لإلغاء معاهدة السلام، ما رفع مستوى القلق الرسمي من استغلال الجماعة لهذه المظاهرات لتعزيز نفوذها.
إذاً، الأردن يرى أن ثمة تماهيًا للقرار مع خطر الإسلام السياسي والمتغيرات الإقليمية؟
جاء حظر “الإخوان المسلمين” ضمن موجة إقليمية لحظر تنظيم “الإخوان المسلمين”، تلت خطوات مماثلة في مصر والسعودية والإمارات، ما وضع الأردن في سياق التنسيق مع حلفائه الخليجيين والغربيين لمواجهة ما يعتبرونه تهديدًا أيديولوجيًا وأمنيًا. كذلك عززت التوترات مع إيران وحلفائها في المنطقة المخاوف من دور محتمل للجماعة في دعم شبكات مسلّحة، وهو ما دفع الأردن لتأكيد التزامه بمحاربة الإرهاب بما يتوافق مع تأمين أمنه الوطني ومواقف شركائه الاستراتيجيين.
اقرأ أيضاً: “حماس” تقدم مقترحاً يتضمن نزع سلاحها لعدة سنوات – 963+
لكن، ماذا عن تحدي التمثيل النيابي؟
على الرغم من فوز “حزب جبهة العمل الإسلامي” بـ32 مقعداً في البرلمان، اعتُبر اكتشاف مخططات تصنيع الصواريخ والعبوات والطائرات المسيّرة من قبل جماعة “الإخوان” دليلاً قاطعاً على نية الانتقال من العمل السياسي إلى العمل المسلّح. ومن ثم، رأى صناع القرار أن استمرار السماح بنشاط الجماعة العلني يمكّنها من بناء بنى تحتية سرية محتملة للتجنيد والتدريب، ما يستدعي تدخلًا استباقيًا لحماية الأمن الوطني قبل فوات الأوان.
كيف تقدّر آفاق الجماعة في المدى المتوسط والبعيد؟
على المدى المتوسط، متوقع انكماش حضور التنظيم السياسي والاجتماعي التقليدي مع تجميد مقار الجماعة وتصفية أصولها الرسمية، ما يخفض فرص ظهورها بصورتها السابقة. أما على المدى البعيد، فقد يؤدي تفكك قيادة الجماعة – وربما حل “حزب جبهة العمل الإسلامي” في مرحلة لاحقة إذا ثبت تورطه مع الجماعة – إلى بروز تيارات راديكالية أكثر، أو انتقال بعض عناصرها للاندماج ضمن فصائل إقليمية أخرى، مع ما يحمل ذلك من تحديات أمنية واجتماعية.
هل يمكن هذا السيناريو أن يفضي إلى تحوّل محتمل للعمل السري والتحديات الأمنية؟
نعم، قد تلجأ خلايا أو عناصر من “الإخوان المسلمين” إلى العمل السري بوصفه سلوكاً براغماتياً يستفيد من الشبكات الاجتماعية والدينية القائمة، إلا أن افتقاد التنظيم لرؤوس أموال رسمية ومقار ثابتة سيعيقه عن تنفيذ ذلك. ستواجه هذه المحاولات مراقبة استخبارية مشددة من قبل دائرة المخابرات العامة والأجهزة الاستخبارية الأخرى، بموجب قانون مكافحة الإرهاب والرقابة الإلكترونية، التي ستعتمد التنسيق الاستخباراتي لرصد أي مخططات قبل تنفيذها.
هل ترى أن قرار الحلّ حمل جملة من الرسائل الداخلية والخارجية؟
يقينًا، هذا حدث. داخلياً، أكدت عمّان أنها لا تتهاون مع أي تهديد أمني، مهما كانت مبرراته ودوافعه وخلفيته، مسلطة الضوء على أولوية سلطة وسيادة الدولة، وأمن الدولة واستقرارها، والحفاظ على أمنها الوطني. أما خارجياً، فاستهدفت الرسالة تعزيز صورتها كشريك جاد في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف أمام الغرب والخليج، مع إبقاء قنوات التعاون الاستخباراتي مفتوحة في مواجهة التحديات المشتركة.
إلى أي حدٍّ كان تأثير العلاقة مع “الإخوان المسلمين” في سوريا على الشكوك الأمنية؟
لقد عززت كافة التقارير الأمنية والإعلامية حول اتصالات قيادات الإخوان الأردنيين بنظرائهم السوريين، معطيات الشك في نفوذ خارجي للجماعة، خصوصاً في مجال التدريب والتحشيد وتهريب الأسلحة. واستُخدمت هذه العلاقة لتبرير القرارات الأمنية، معتبرةً أن أي دعم من الخارج يهدد التوازن الداخلي، ويبرر اتخاذ إجراءات صارمة ضد التنظيم داخل المملكة.










