تحتاج سوريا الانتقالية إلى قرار أميركي برفع العقوبات كي تتمكّن من النهوض بالاقتصاد وتدعيم الأمن الداخلي وتعزيز مستوى “الشرعية” التي لا يزال الحكم الحالي يسعى إليها في الداخل كما في الخارج. وإذا كانت للإدارة الأميركية شروط لتطبيع العلاقات مع دمشق الجديدة، فهذا كان أمراً متوقّعاً، لأن الشروط نفسها، بل أكثر منها، كانت مفروضة على النظام السابق الذي ظن لفترة أن ما اعتبره “انتصاراً” في حربه على شعبه سيدفع الدول كافةً إلى التنافس على استعادة الروابط معه، وبشروطه. سقط ذلك النظام ولم يدرِ ولم يدرك- ولا تعترف فلوله- أنه أضعف سوريا دولةً وجيشاً واقتصاداً ومجتمعاً، حاضراً ومستقبلاً، إلى حدٍّ أن تعويضه سيتطلّب سنوات طويلة. أما النظام البديل فلم يطل به الوقت حتى تعرّف خلال أيام إلى الواقع الصعب الذي ورثه.
أخرج الحكم الجديد إيران وميليشياتها من سوريا، وهو ما كان مطلباً استراتيجياً للولايات المتحدة ولدول عربية وغربية، لكنه لم ينل من هذه الأطراف الخارجية أي “مقابل” لقاء هذا الإنجاز الكبير الذي كانت تعتبره من المستحيلات، أو ترى أن يتطلّب حرباً مكلفة جداً. تحقق ذلك تلقائياً، من أجل الشعب السوري وثورته أولاً وأخيراً، وبالتزامن مع اطاحة النظام السابق الذي كانت دول عدة تقدّم له عروضاً سخية لحثّه على التخلص من الهيمنة الإيرانية. وهكذا تعلّمت تلك الدول أن ما لا يُدرك كلّه يُدرك جلّه، ففي نهاية المطاف أسقط بشار الأسد بنفسه كل مبررات الحفاظ على نظامه، وإذا كان بديله الحالي يثير الحذر والشكوك فإن أي بديل آخر، لو توفّر، كان سيُقابل بالمثل ويُخضَع لسلسلة اختبارات كي يثبت أهليته لأن يصبح مقبولاً.
المطالب الأميركية الثمانية ليست سوى بداية كلام، وربما تُقابل أو لا تُقابل بتمديد تعليق العقوبات لسنتين، بحسب الاستجابات السورية وعدم اخضاع القرارات الأميركية لشروط إسرائيلية تُعرف لها بداية ولا تُعرف نهايتها. أحد تلك المطالب أن تُمنع إيران أو “حزب الله” من إعادة توطيد وجودهما في سوريا، ولا يمكن أن يكون الأميركيون أكثر حرصاً من السوريين على التأكد من طيّ الصفحة الإيرانية، ومع ذلك يجدر أن تراقب دمشق ما ستفضي إليه المفاوضات الأميركية-الإيرانية من تفاهمات تتعلّق بنفوذ طهران في المنطقة لقاء تقليص برنامجيها النووي والصاروخي.
أما بالنسبة إلى الأسلحة الكيميائية فهناك معلومات تفيد بأنه جرى حصرها منذ الساعات الأولى للسيطرة على حلب، ثم استكملت لاحقاً السيطرة على ما تبقّى منها. واشنطن تعتبر تدمير هذه الأسلحة من أولوياتها، والأكيد أن الحكم الجديد لا يفكّر في اقتنائها لاستخدامها، ولا شك في أن تعاونه مع منظمة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة الكيميائية سيكون تحت الرقابة الأميركية المباشرة لتوثيق المخزون ومن ثمَّ التخلّص منه.
وأمّا العثور على المعتقلين أو المفقودين الأميركيين فليس واضحاً كيف يمكن دمشق أن تجدهم إذا لم يكونوا في أيٍّ من سجون النظام السابق، أو إذا ما تفطن أيٌّ من مجرمي ذلك النظام إلى تهريبهم للمساومة عليهم. الأكيد أن الحكام الجدد أبدوا نية حسنة في هذا الملف، ومن ذلك انشاء مكتب اتصال خاص به في الخارجية، ولو توصّلوا إلى معلومات موثّقة عن هؤلاء الاميركيين لما تأخروا في اظهارها.
لا تعترف واشنطن بأي كيان سوري على أنه “الحكومة السورية” لكنها تلح على الحكم الانتقالي بوجوب التزام مكافحة الإرهاب، وكان من الطبيعي أن تطلب دمشق تفاهمات/ اتفاقات متبادلة، فهي أولاً تريد تحديداً لدورها وشيئاً من الاعتراف به، كما أنها تحتاج إلى دعم في هذه المهمة، لكنها في كل الأحوال لا تواجه أي مشكلة في مكافحة الإرهاب، حتى لو كانت لديها عقدة حقيقية تتمثّل بالمقاتلين الأجانب الذين استسهل الحكام الجدد أمر تجنيسهم أو دمجهم رغم معرفتهم بأنهم مطاردون ومطلوبون من دولهم بتهم الانضمام إلى جماعات إرهابية. ثم أن المجتمع السوري نفسه لن يتقبل بسهولة وجود هؤلاء في أي مواقع مسؤولية بعدما لمس تطرّفهم الديني، خصوصاً بعدما اظهروا عنفاً مفرطاً في أحداث الساحل.
لعل التحدّيين الأكثر شدّة أمام الحكم السوري الجديد هما العدوان الإسرائيلي، وصعوبة إعادة لمّ شمل مكوّنات المجتمع السوري. وقد أظهرت الوقائع أن ثمة تفاعلاً بينهما. إذ لم تكتفِ إسرائيل بالتوغّل في الأراضي السورية واحتلال مناطق جديدة فيها، بل ان عدداً من ساستها تحدث بوضوح عن “تفكيك سوريا” كأحد الأهداف الإقليمية لإسرائيل. وفي المقابل لم يحقق الحكم الانتقالي أي نجاحات ملموسة بعد في اجتذاب المكونات إلى توافق وطني، ورغم توقيع الاتفاق بين أحمد الشرع وفرهاد عبدي نال استحساناً في الداخل والخارج إلا ان أحداً لا يتوقع المباشرة العملية بتطبيقه في وقت قريب، كما أن العلاقة مع دروز السويداء دائمة التقلّب، أما العلاقة مع العلويين في الساحل فتزداد تشنجاً.
لذلك أصبح بديهياً الاشتباه بأن هذه المكونات المأزومة تراقب الممارسات الإسرائيلية وتراهن ضمناً على “التفكيك” لتحصل على كياناتها الخاصة. والملاحظ أن واشنطن لا تبدي أي جدية في تقدير هذين التحديين اليهما، ولا أي استعداد للمساعدة في تجاوزهما، إذا كانت مهتمّة فعلاً بشيء من الاستقرار في سوريا، وليس بما تخططه إسرائيل لسوريا.
نشرت هذه المادة في العدد التاسع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 2 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد التاسع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










