في سياق متغير يربط بين ضرورات الاستقرار الإقليمي وضغوط الداخل الأوروبي، شهدت دمشق لقاءات أمنية رفيعة مع وفد ألماني-نمساوي مشترك لبحث ملف عودة اللاجئين، في ظل تحرك ألماني لسحب الحماية من مئات السوريين الذين زاروا بلادهم. وتكشف هذه اللقاءات، بحسب محللين، عن محاولة أوروبية لإعادة تعريف العلاقة مع سوريا الانتقالية، مشروطة بتحقيق بيئة آمنة وضمانات اقتصادية.
وبينما تبدي الحكومة الانتقالية، وفق الباحث السياسي نواف الركاد، مرونة سياسية تصطدم بواقع هشّ وخدمات متراجعة، يرى الخبير صلاح سليمان أن الأوروبيين يوازنون بين دعم العائدين المندمجين والحد من الهجرة غير الفعالة، فيما يربط الاتحاد الأوروبي أي تخفيف إضافي للعقوبات بخطوات ملموسة من دمشق الجديدة.
واستقبل وزير الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية، أنس خطاب، الأحد الماضي، وفداً أمنياً مشتركاً من ألمانيا والنمسا في العاصمة دمشق، ضم الوزيرة الاتحادية للداخلية الألمانية نانسي فيزر، ونظيرها النمساوي غيرهارد كارثر.
هذا اللقاء، الذي وصفته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بـ”البناء”، فتح باب النقاش حول مستقبل اللاجئين السوريين في أوروبا، وسبل التعاون الأمني والإداري في مرحلة ما بعد النظام، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التوجه الأوروبي نحو مراجعة سياسات اللجوء وعودة آلاف السوريين إلى بلادهم.
الأمن في قلب التفاوض.. واللاجئون محور الحوار
وفق ما نقلته “سانا”، ناقش الجانبان ملفات أمنية تتعلق بالتنسيق الحدودي، ومكافحة الجريمة المنظمة، ومتابعة شبكات التهريب، إضافة إلى مسألة عودة اللاجئين، التي بدت محوراً حيوياً في النقاشات.
وتأتي هذه الزيارة بعد إعلان الحكومة الألمانية البدء بإجراءات قانونية لسحب الحماية عن مئات اللاجئين السوريين الذين عادوا إلى بلادهم لفترات مؤقتة بعد سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ما أعاد ملف العودة الطوعية إلى الواجهة الأوروبية – السورية من زاوية أكثر براغماتية وأمنية.
وتشير إحصاءات نشرتها صحيفة “WELT AM SONNTAG” الألمانية إلى أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في ألمانيا بدأ إجراءات ضد 734 لاجئاً سورياً زاروا سوريا مؤخرًا، ضمن 2157 لاجئاً من دول مختلفة، ما يكشف عن اتساع نطاق التوجه الأوروبي الجديد بشأن شروط الحماية المؤقتة.
اقرأ أيضاً: ألمانيا تبدأ إجراءات سحب الحماية ضد 734 لاجئ سوري زاروا بلادهم – 963+
مرونة مشروطة
الكاتب والباحث السياسي نواف الركاد، المقيم في ألمانيا، رأى في تصريحات لموقع “963+” أن “اللقاءات الأمنية الأخيرة بين الحكومة الانتقالية ووفود أوروبية كشفت عن اهتمام متزايد لدى الجانب الأوروبي بمسار عودة اللاجئين”، لكنه أكد أن هذا الاهتمام “لا يزال مشروطاً بوجود بيئة مستقرة وضمانات اقتصادية ومؤسسية تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم للعائدين”.
وأشار الركاد إلى أن الحكومة الانتقالية، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تحاول إظهار استعداد مبدئي للتعاون مع المجتمع الدولي، لكنها تصطدم بواقع قاسٍ يتمثل في “هشاشة البنية التحتية، وضعف الطاقة التشغيلية لمرافق الخدمات العامة التي لا تتجاوز 35%، بحسب تقارير وزارة الإعمار”، الأمر الذي يحد من قدرتها على استيعاب موجات عودة واسعة دون دعم خارجي مباشر.
وطرح الركاد تصوراً يقوم على شراكة ثلاثية بين الحكومة السورية، والاتحاد الأوروبي، ومؤسسات دولية مستقلة، من خلال تأسيس صندوق دولي لإعادة الإعمار، يربط بين دعم العودة الطوعية والتنمية المحلية، دون تحميل الحكومة الانتقالية أعباء إضافية. كما دعا إلى إطلاق برنامج “عودة تدريجية آمنة” بإشراف لجان دولية تضمن الشفافية والرقابة الحقوقية على أوضاع العائدين.
“العودة لا تعني التخلي عن البعد الإنساني”
من جهته، أكد صلاح سليمان، الخبير في الشؤون الأوروبية من مدينة ميونيخ، أن السياسات الأوروبية تجاه اللاجئين السوريين “ما زالت مشدودة بين التزاماتها الأخلاقية والإنسانية من جهة، والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى”، موضحاً في تصريحات لـ”963+” أن ألمانيا، تحديداً، “لا تزال حريصة على عدم التفريط بالبُعد الإنساني الذي شكّل أساس استقبال السوريين منذ عام 2015”.
سليمان لفت إلى أن “سقوط النظام السابق منح فرصة سياسية وأخلاقية جديدة للتعامل مع اللاجئين، حيث نال السوريون تقديراً واسعاً من المجتمع الأوروبي، لا سيما من تمكن منهم من الاندماج والمساهمة في سوق العمل”.
ومع ذلك، أشار إلى وجود تيار متنامٍ في أوروبا يرى أن الوقت قد حان لفرز المستفيدين الحقيقيين من اللجوء عن أولئك الذين “ارتضوا الاعتماد الكلي على المساعدات دون اندماج فعّال”، على حد تعبيره.
وشدد سليمان على أن “ملف الإعمار أو تخفيف العقوبات لا يُدار كأداة ضغط مباشرة في قضايا اللجوء، بل كمسارات موازية”، لكنه اعترف بأن أي انفراج سياسي واقتصادي في سوريا “سينعكس حتماً على ملفات العودة والاستقرار، ويفتح الباب لسياسات أوروبية أكثر مرونة”.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأوروبي يبحث مع وزير الداخلية السوري التنسيق الأمني – 963+
الاتحاد الأوروبي: وعود مشروطة وتقييم مستمر
بالتوازي مع التحركات الأمنية الثنائية، عقد الاتحاد الأوروبي سلسلة اجتماعات سياسية بحث فيها شروط تخفيف العقوبات على سوريا. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، كايا كالاس، إن “التكتل لم ير خطوات كافية من الحكومة السورية الجديدة لتخفيف العقوبات المفروضة”، مشيرة إلى أن أي تخفيف إضافي سيكون مشروطًا بخطوات واضحة من جانب السلطات في دمشق، دون أن توضح طبيعة هذه الخطوات.
وأكدت كالاس أن “الاتحاد يعمل على إعداد تفاصيل فنية دقيقة بشأن شروط رفع العقوبات، وسيواصل تقييم الوضع بشكل مستمر”، في وقت سمح فيه الاتحاد منذ شباط/ فبراير الماضي بتخفيف محدود للعقوبات، شمل قطاعات الطاقة والبنوك، لتسهيل العمل الإنساني.
هل تتهيأ سوريا لـ “العودة الآمنة”؟
بين المبادرات السياسية، والتحركات الأمنية، والمواقف الأوروبية المتباينة، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع سوريا الانتقالية احتضان ملايين اللاجئين في حال تغيرت الظروف؟ وفق ما يظهر من الوقائع والتصريحات، فإن الحكومة الانتقالية لا تزال في بداية الطريق، تحاول حجز موقع في المشهد الإقليمي والدولي، بينما ينتظر الأوروبيون “خطوات محددة” لتخفيف القيود ودعم الإعمار.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، يبرز طرح الركاد حول الاستثمار في الطاقة المتجددة والزراعة كمفتاح لاستقطاب تمويل أوروبي غير خاضع للعقوبات، وكذلك إطلاق برنامج تدريجي وآمن للعودة، كأحد الحلول الواقعية التي قد تؤسس لمسار تفاهم متوازن، لا ينفصل عن الاستحقاقات الإنسانية، ولا يتجاهل التعقيدات السياسية.










