العدالة والمحاسبة، كلمتان ترددهما حناجر السوريين منذ أكثر من أربعة عشر عاماً. ومع سقوط النظام المخلوع، انفتحت النوافذ المغلقة، وتعالت الأصوات المطالبة بتحقيق العدالة وملاحقة المسؤولين المتورطين في جرائم حرب ضد المدنيين، بدءاً من عمليات القتل الجماعي، واستخدام الأسلحة الكيميائية، وصولاً إلى التعذيب الممنهج في أقبية الأجهزة الأمنية.
ورغم تعهد الحكومة السورية الانتقالية بملاحقة الجناة وإنصاف الضحايا، يرى سياسيون ومراقبون أن الخطوات المتخذة لم تتجاوز حدود الرمزية، ووصف بعضهم الحملات ضد بعض العناصر الأمنية بأنها “حركات استعراضية لامتصاص غضب الشارع”.
لا محاكم ولا عدالة انتقالية
يقول غزوان قرنفل، مدير تجمع المحامين السوريين، إن مرتكبي الجرائم والانتهاكات ضد المدنيين “ما يزالون يرتعون بصفاقة أتاحتها لهم سياسة غير مفهومة من الحكومة الانتقالية”، مبيناً أنها غضت الطرف عن كبار المسؤولين فيما عقدت مع وسطائهم صفقات غير معلومة المحتوى، “أما صغارهم فقد تم القبض على بعضهم هنا وهناك لذر الرماد في العيون لا أكثر”.
وأضاف قرنفل في تصريحات للعدد الثامن من صحيفة “963+”: “لا نية جدية لدى الحكومة الانتقالية لمحاسبة أحد، وحتى أولئك الصغار الذين قُبض عليهم، فالسلطة الجديدة وكبار المرتكبين والمنتهكين في سوريا يحتاجون لأضاحي للتغطية والتعمية عنهم بدخان محاكمات لصغار القتلة وتنفيس غضب الناس، ومن تم القبض عليهم هم أضاحي الفداء”.
وشدد قرنفل على أن “لا وجود لأي محاكم أو عدالة انتقالية حقيقية ولا حتى مساءلة للقتلة والمجرمين والممولين الذين افتدوا أنفسهم بالمال، بينما دفع السوريون ضريبة الدم بلا طائل”.
اقرأ أيضاً: دعوات أميركية لمصادرة أموال مرتكبي جرائم الحرب في سوريا – 963+
تسويات ومبررات
تشير تقارير إعلامية إلى أن بعض الدوائر النافذة في الحكومة الانتقالية بررت هذه التسويات بحجج تتعلق بـضمان الاستقرار ومنع تفكك مؤسسات الدولة، في حين رأى مراقبون أن هذا النهج يمثل تنازلاً خطيراً عن جوهر العدالة الانتقالية.
ووثقت منظمات حقوقية دولية، على رأسها “هيومن رايتس ووتش” والعفو الدولية، انتهاكات جسيمة ارتكبها النظام السابق، شملت الاعتقالات التعسفية، والتعذيب المنهجي، والإخفاء القسري، والقتل خارج القانون، واستخدام الأسلحة الكيميائية، والتجويع كسلاح حرب، ووصفت تقارير تلك المنظمات هذه الانتهاكات بأنها “ممارسات ممنهجة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية”.
كما أشارت تقارير أممية إلى “احتمال ارتكاب جرائم إبادة جماعية” في بعض المناطق، ما يجعل ملف المحاسبة أكثر من مجرد مسألة داخلية، “بل قضية تهم الضمير الدولي بأسره”.
وعلى مدار أربعة عشر عاماً تمكنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان من جمع قائمة موسعة لمرتكبي الجرائم والانتهاكات تضم أسماء نحو 16 ألف متورط بينهم 6724 فرداً من قوات النظام المخلوع، التي تشمل الجيش والأجهزة الأمنية و9476 عنصراً من القوات الرديفة، التي تضم مجموعات مساندة قاتلت إلى جانب قوات النظام.
اقرأ أيضاً: تعرف على مرتكبي جرائم الحرب في سوريا وفق تقرير صادر عن الأمم المتحدة – 963+
غياب الشفافية والمعايير
قال القاضي أنور مجني، المشرف على البرامج في مؤسسة اليوم التالي، في العدد ذاته من الصحيفة، إن من أهم ملامح المرحلة التي تلت سقوط النظام هي غياب الشفافية، لعدم معرفتنا بالمعايير التي يتم على أساسها المحاسبة مبيناً أنه حتى الآن لم يخرج النائب العام بأي تصريح يتحدث عن المحددات التي يتم على أساسها توقيف مجرمي الحرب، أو مصير من تم توقيفهم.
ويرى “مجني” أنه ووفق منظور حقوق الإنسان لا يمكن التحدث فقط عن جرائم الحرب التي ارتكبها النظام المخلوع فحسب، بل كافة الأطراف التي تسببت في نزف دماء الشعب السوري، ففي الوقت الذي نرى فيه تراخي بملاحقة مجرمي الحرب من فلول النظام، نجد منتهكين من “الجيش الوطني” على سبيل المثال ينالون الرتب والمناصب.
وأكد “مجني” أن عند غياب الشفافية نجد غياب المعايير، كما نجد تأخراً في إطلاق مسار العدالة الانتقالية رغم تحدث الإعلان الدستوري عن ذلك إذ لم نجد تحركاً واضحاً فيما يتعلق بمصير المفقودين، ومعالجة تداعيات الانتهاكات أما من ناحية إحداث محاكم خاصة فهذا يحتاج لإطار تشريعي لا يمكن البدء به إلا بعد تشكيل المجلس التشريعي.
وفي الحادي عشر من كانون الثاني / يناير الماضي، أكد رئيس لجنة التحقيق الدولية الأممية المستقلة بشأن سوريا، باولو بينيرو، أن الحكومة المؤقتة في سوريا تواجه تحديات في التعامل مع آلاف الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم خلال عهد نظام الأسد السابق.
وأشار بينيرو، في تصريحات لوكالة “الأناضول” إلى أن اللجنة تعمل حالياً بالحفاظ على الأدلة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب وانعدام سيادة القانون، والتي وقعت خلال السنوات الماضية، لافتاً أن اللجنة تمتلك “قائمة سرية للمجرمين” تتضمن أسماء المتورطين في الأحداث التي شهدتها سوريا منذ اندلاع الأزمة، مؤكدًا أن هذه القائمة ستلعب دورًا محوريًا في أي عمليات محاسبة مستقبلية.
نشرت هذه المادة في العدد الثامن من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 25 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الثامن من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










