رغم مرور 35 سنة بين نهاية الحرب السورية وتلك اللبنانية، إلا أن أوجه الشبه بين التجربتين كثيرة. فلبنان، ورغم انتهاء حربه الأهلية في عام 1990، لا يزال يعاني من آثارها حتى اليوم. أما سوريا، فتخطو خطواتها الأولى، ببطء، نحو لملمة الجراح ومحاولة إصلاح ما دمّرته الحرب.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري حول كيفية إعادة بناء سوريا على أسس أكثر عدلاً واستقراراً وسلاماً. عملياً، لا بد من الرجوع إلى تجارب الدول التي خرجت من نزاعات أهلية مماثلة، ولعلّ التجربة اللبنانية، رغم خصوصيتها، تمثّل نموذجاً غنياً بالدروس والعِبر، سواء في ما نجحت فيه أو ما فشلت فيه. وفي ضوء تشابهات بنيوية وسياسية وطائفية بين البلدين، يمكن للسوريين أن يستفيدوا من هذه التجربة لبناء سوريا جديدة تتفادى أخطاء الماضي وتؤسّس لسلام مستدام.
بعد خمسة عشر عاماً من الحرب، خرج لبنان باتفاق سياسي عُرف باسم “اتفاق الطائف” أعاد توزيع السلطة بين الطوائف، وأنهى الحرب عبر رعاية إقليمية ودولية. ورغم الثغرات الكثيرة في هذا الاتفاق، إلا أنه وضع حداً للقتال وفتح الباب أمام مصالحة وطنية، ولو شكلية، في غالب الأحيان. أما في سوريا، فسيكون على أي مرحلة انتقالية حقيقية أن تتعلّم من تعقيدات “الطائف”، لا سيما في ما يتعلّق بعدم حسم القضايا الخلافية بوضوح وترك البت بها لزمن غير محدد. إن كان الدستور السوري الجديد قليل الحسم والوضوح في مجال توزيع الصلاحيات، فقد يكون بذرة تنمو مع الوقت لتخلق مشاكل جديدة في سوريا، كما حدث في لبنان. ففي هذا الأخير، جزء من الأزمات لا تجد حل لها في الدستور، فيما بعض المواد الدستورية لم تُطبّق يوماً، ولا حتى طُبِّقت الإصلاحات التي أُقِرّت في “اتفاق الطائف”، مثل إلغاء التمثيل الطائفي في السلطة أو حصر السلاح في يد الدولة.
إن أي نظام سياسي سوري لا يعالج مسألة توزيع السلطات، حقوق الأقليات، الحريات المدنية، ونظام المساءلة، لا يمكن أن يؤدّي إلى بناء دولة حقيقية. المسألة ليست في أن يُورَد نص جيد في الدستور، بل العبرة في التطبيق. كذلك، من الضروري تجنّب تكرار النموذج اللبناني القائم على “المحاصصة الطائفية” الذي أسس لنظام هشّ، غير فعّال، وعرضة للشلل الدائم وعدم الإنتاجية. صحيح أن التوزيع الطائفي شبه متوازن في لبنان، بين المسلمين والمسيحيين، وذلك على عكس سوريا ذات الغلبة السنية، إلا أن إشراك الطوائف والجماعات الإثنية في الحكم يبقى أمراً ضرورياً، لكن قد يفقد إيجابيته في حال تحوّلت الطوائف وممثلوها إلى سلطات لها قدرة تعطيل الحكم والدولة.
نتيجة لذلك، يحلّ الجمود السياسي وتلي الأزمة أزمة أخرى. هذا مصير سوريا إن اتبعت النموذج اللبناني الذي فضّل الطوائف على حساب المواطنة في الحكم، فتصبح، كما حصل في لبنان، كلفة الجمود السياسي حوالي 45 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2019 و2021 على سبيل المثال في لبنان، بحسب تقرير للبنك الدولي. من هنا، فإن على سوريا ما بعد الحرب أن تبني نظاماً يوازن بين التمثيل الشعبي والاستقرار المؤسساتي، دون أن تقع في فخّ الطائفية أو التوافقية المفرطة بين الجماعات التي تُشكّلها.
على المقلب الآخر، فإن أخطر ما أنتجته الحرب اللبنانية كان استمرار بعض الميليشيات كقوى أمر واقع بعد انتهاء القتال، وتحوّلها إلى قوى سياسية تسيطر على القرار الوطني. “حزب الله” هو المثال الأبرز على ذلك، حيث تحوّل من فصيل صغير مقاتل إلى قوة عسكرية وأمنية وسياسية شبه مستقلة ضمن الدولة. الجميع يعرف إلى ماذا أودى هذا الأمر، وكيف قوّضت الجماعة المسلحة السيادة والأمن والاستقرار في لبنان، وانتهى بفتحها لحروب مدمّرة بشكل مستقل عن سلطة أو إمرة الدولة.
في سوريا، وخصوصاً في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة أو الفصائل المسلحة، سيكون من الضروري إعادة دمج المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة أو إعادة تأهيلهم للانخراط في الحياة المدنية. برامج نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الدمج يجب أن تُبنى على معايير واضحة، بشراكة دولية ربما، وتحت إشراف مؤسسات مدنية. وهنا يمكن الاستفادة من تجارب مثل تجربة سيراليون أو رواندا أكثر من لبنان، الذي فشل إلى حدّ كبير في نزع سلاح الميليشيات، أو حتى في دمج نسبة مقبولة من “رجال الحرب”. تقدّر الأمم المتحدة أن عدد المقاتلين في سوريا من مختلف الفصائل يزيد عن مئة ألف فرد، فإذا لم تتم معالجة أوضاع هؤلاء بشكل ممنهج، فإن خطر انفجار العنف من جديد سيكون قائماً دائماً، كما هو الحال في لبنان في أغلب الأحيان.
في لبنان، لم تتحقق أي عدالة انتقالية حقيقية بعد الحرب. فالقانون منح عفواً عاماً شاملاً عن كل الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية، مما ساهم في ترسيخ الإفلات من العقاب وأدّى إلى استمرار النخب نفسها في الحكم. أي جرم ارتُكِب في الحرب، أكان بدافع السرقة أم الشرف أم مجرّد اللهو بالسلاح أو حتى ارتكاب مجازر، تم العفو عنه. تحوّل المقاتلون إلى مواطنين بلحظة، من دون أن يُحاسب أحد.
في المقابل، على سوريا أن تسلك طريقاً مختلفاً إذا أرادت أن تضمن مصالحة وطنية حقيقية. من الضروري إنشاء هيئة مستقلة للحقيقة والمساءلة، تُعنى بتوثيق الانتهاكات من كل الأطراف، وجبر ضرر الضحايا، ومحاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى ضد الإنسانية. دون ذلك، ستبقى ذاكرة الحرب حيّة في النفوس، وسيصعب بناء دولة حقيقية. سيبقى الثأر والبغض والكره هو السائد، ولن تنتهي الحرب في النفوس حتى وإن انتهت في الشوارع والأزقة والتلال.
خرج لبنان من الحرب بإقرار “اللامركزية الإدارية الموسّعة” في اتفاق الطائف، لكن هذا البند بقي حبراً على ورق. في سوريا، يمكن اعتماد اللامركزية كأداة لإعادة توزيع الموارد والخدمات، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، وتمكين البلديات والقوى المحلية من إعادة الإعمار. فمنطقة مثل درعا جنوب سوريا، أو منبج في الشمال، عانت من تهميش شديد قبل الحرب. بعد انتهائها، لا بدّ من تفعيل دور المجالس المحلية والبلديات في هذه المناطق، مع دعم مالي وفني مباشر، ربما من خلال صناديق دولية مخصصة لإعادة الإعمار المحلي، أو في إقرار نظام فدرالي أو لامركزي موسّع يُلغي التهميش.
إن التعلّم من لبنان ضروري في هذا المجال، خاصة بعد فشله في تطبيق شكل إيجابي من اللامركزية، حيث بقيت معظم المناطق في أطراف لبنان مهمّشة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فيما بقيت كل مفاتيح السلطة والمال مركّزة في العاصمة بيروت، مما غذّى التفاوت المناطقي بشكل فاضح.
في لبنان، رغم سطوة الطوائف والأحزاب ورجال الدين على كل شيء تقريباً، تمكن المجتمع المدني من بناء حيز خاص به، وإن كان محدوداً. ففي السنوات الأخيرة، لعب دوراً في فضح الفساد، والمطالبة بالحقوق، وتنظيم احتجاجات واسعة. تطلّب الأمر عشرين سنة بعد انتهاء الحرب لبناء مجتمع مدني مؤثر في لبنان. أما في سوريا، فعلى المجتمع المدني أن يكون ركيزة من ركائز بناء السلام، خاصة في ظل فقدان الثقة شبه التام بين المواطن ومؤسسات الدولة. الجمعيات المحلية، النقابات، الهيئات الطلابية، ومبادرات الشباب، يجب أن تُعطى مساحة حقيقية للعمل، بعيداً عن الهيمنة الأمنية أو الدينية.
ليست التجربة اللبنانية نموذجاً يُحتذى بالكامل، لكنها مختبر حقيقي للدروس والعِبر في مرحلة ما بعد النزاع. على السوريين أن يستفيدوا من إخفاقات لبنان الكثيرة قبل إنجازاته الضئيلة. بناء سوريا أكثر استقراراً وسلاماً يتطلّب إرادة جماعية، ورؤية واضحة، وخارطة طريق تعالج جذور الصراع، وليس فقط نتائجه. حينها فقط يمكن أن تتحوّل سوريا من ساحة حرب لم تنتهِ في النفوس بعد إلى دولة مواطنة وعدالة وإنماء.
نشرت هذه المادة في العدد الثامن من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 25 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الثامن من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










