أثار القرار الأميركي بتغيير الوضع القانوني للبعثة السورية في نيويورك من بعثة دائمة لدولة عضو بالأمم المتحدة إلى بعثة لحكومة غير معترف بها من قبل الولايات المتحدة الأميركية، جدلاً كبيراً في الأوساط السياسية. فهل القرار هو مجرد إجراء قانوني أم رسالة سياسية أميركية للحكومة السورية الجديدة؟
تفاصيل القرار وموقف دمشق
كشفت صحيفة “النهار” اللبنانية، الأحد الماضي، أنها حصلت على نص برقية أرسلتها البعثة السورية لدى الأمم المتحدة إلى وزارة الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية، جاء فيها أن الولايات المتحدة أبلغت البعثة بتغيير وضعها القانوني من بعثة دائمة لدولة عضو بالأمم المتحدة إلى بعثة لحكومة غير معترف بها من قبل واشنطن.
وأفادت الصحيفة نقلاً عن مصادرها، أن “المذكرة الأميركية تضمنت إلغاء التأشيرات الممنوحة لأعضاء البعثة السورية من “ج1” المخصصة للديبلوماسيين المعتمدين لدى الأمم المتحدة والمعترف بحكوماتهم في البلد المضيف، إلى “ج3″ التي تمنح للمواطنين الأجانب الذين لا تعترف واشنطن بحكوماتهم.
وتعليقاً على القرار الأميركي، قال مصدر في وزارة الخارجية والمغتربين بالحكومة الانتقالية السورية لموقع “+963’’، الاثنين، “إن تعديل الوضع القانوني للبعثة الديبلوماسية، والتي تمثل سوريا في الأمم المتحدة هو إجراء تقني وإداري، ولا يعكس أي تغيير في الموقف الرسمي للولايات المتحدة من الحكومة السورية الجديدة’’.
ووفقاً لما ذكره المصدر، فإن وزارة الخارجية والمغتربين السورية ملتزمة بمواصلة العمل الديبلوماسي والتنسيق ضمن الأطر الدولية، لتحقيق تطلعات الشعب السوري، وتعمل حالياً على مراجعة شاملة لوضع بعثاتها الديبلوماسية في الخارج، من خلال إعادة ترتيبها وتنظيمها.
اقرأ أيضاً: الخارجية السورية: تعديل الوضع القانوني للبعثة الديبلوماسية إجراء تقني وإداري
رسالة ضغط سياسية لدمشق
في تصريحات لموقع ‘‘963+’’، أوضح المحامي الدولي والمختص في الشأن الأميركي، المقيم في واشنطن، الدكتور خالد الشمري، أن القرار الأميركي رغم أنه يحمل غطاءً قانونياً ظاهرياً إلاّ أنه في جوهره يُفهم كرسالة سياسية واضحة تعكس تصعيد الضغط على الحكومة السورية القائمة.
وقال الشمري: ‘‘رغم أن القرار أتى ضمن سياق أمني أميركي لا يشمل سوريا فقط، وإنما يشمل مراجعة جميع التأشيرات من الدول التي لديها حروب على أراضيها وجماعات مصنفة على أنها إرهابية، إلاّ أنه في الجوهر يعكس محاولة لإعادة رسم العلاقة مع دمشق عبر أدوات قانونية تحمل رسائل سياسية ضاغطة، هدفها دفع دمشق لتقديم تنازلات أو تغيير سلوكها السياسي’’.
من جانبه، يرى الباحث في الشؤون الجيوسياسية والتنمية والمقيم في مونتريال الكندية، الدكتور نزيه الخياط، في تصريحات لـ‘‘963+’’، أن ‘‘القرار هو رسالة سياسية مباشرة للحكومة السورية الانتقالية للدفع بها للانخراط في التسويات السياسية في المنطقة خاصة المتعلقة بالترتيبات الأمنية والعسكرية المتعلقة مع إسرائيل’’.
وبالتالي هي ضغوط أميركية على سوريا لإخضاع الحالة الجيوسياسية بحيث تتلاءم مع طبيعة ما يحصل في المنطقة من ضرب جميع الأذرع السياسية استعداداً لفرض تسويات عندما تنضج الظروف على المستوى الإقليمي والدولي، وفق الخياط.
إلياس المر، خبير في العلاقات الدولية، من جهته أوضح لـ‘‘ء963+’’، أن لهذه الخطوة الأميركية بعدين الأول قانوني بحت له علاقة ببرتوكول الأمم المتحدة وبروتوكول البعثات وتمثيل الدول في الأمم المتحدة.
أما البعد الآخر بحسب المر، هو سياسي: ‘‘هذه رسالة سياسية بامتياز من واشنطن لدمشق بأن الأخيرة لم تجتاز الامتحان الأميركي’’، في إشارة منه إلى قائمة الشروط الأميركية التي قدمتها الولايات المتحدة مؤخراً للحكومة الانتقالية السورية مقابل رفع جزئي للعقوبات المفروضة على سوريا.
وكانت وكالة رويترز، كشفت أن نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي ناتاشا فرانشيسكي، سلّم لائحة شروط أميركية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في اجتماع جمع بينهما على هامش مؤتمر بروكسل للمانحين الذي عُقد منتصف آذار/ مارس الفائت.
وقالت الوكالة حينها، أن الشروط تضمنت تدمير أي مخازن متبقية للأسلحة الكيميائية، التعاون في مكافحة الإرهاب، عدم تعيين مقاتلين أجانب في مناصب قيادية، والتعاون في قضية الصحفي الأميركي أوستن تايس المفقود في سوريا منذ أكثر من عقد.
اقرأ أيضاً: بيدرسون للشرع: بات من الضروري معالجة المخاوف المتعلقة بالمقاتلين الإرهابيين الأجانب
دلالات توقيت القرار
حول دلالات توقيت القرار، عقّب المر قائلاً: ‘‘الخطوة الأميركية جاءت في توقيت حساس بعد إعلان الحقيبة الوزارية في الحكومة السورية الانتقالية، لتقول واشنطن أنها حكومة لا ترضي المجتمع الدولي، وبأنها حكومة ضعيفة وهجينة، لم يتم اشراك المكونات السورية فيها’’.
وفي لغة السياسة، ‘‘لا يُعد القرار الأميركي حكم إعدام وإنما إنذار أخير’’، وفق تعبير المر. وأشار إلى أنه من الممكن أن تعيد واشنطن النظر في قراراتها مقابل إجراءات جذرية وحاسمة من قبل دمشق.
ويتابع: “فإذا تلقفت الإدارة السورية الإنذار الأميركي وذهبت باتجاه معالجات حقيقية وبنيوية ودستورية لهيكلية الدولة والمؤسسات، وإقامة دولة مدنية يمكن إعادة النظر في هذا الوضع القائم بشأن سوريا، كون القرار جاء أيضاً في وقت تزايد فيه الخطاب الداخلي الأميركي الذي يطالب بتقييد التعامل مع السلطات الانتقالية الحالية التي تحاول إنتاج منطق الدولة الدينية تحت مظلة شرعية سياسية”.
اقرأ أيضاً: واشنطن لا تعترف بحكومة الشرع وتغير الوضع القانوني لبعثة سوريا بالأمم المتحدة
تداعيات وتأثير القرار
وأشار الباحث في العلاقات الدولية، إلى أن للقرار تداعيات وتأثير كبير، ويعتقد أن تحذو دول الاتحاد الأوروبي وخارج الاتحاد حذو واشنطن وترفع الغطاء السياسي والديبلوماسي لناحية الاعتراف بالحكومة السورية الانتقالية.
وتابع المر، أن القرار سيكون له تأثيرات أيضاً على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى الدول الداعمة. وتساءل قائلاً: ‘‘ما هو موقف قطر لأنه مهم وأساسي، وكيف ستستمر بتمويل دمشق إذا لم يكن هناك موافقة من قبل واشنطن؟، وكذلك موقف الدول العربية التي كانت متريثة وحذرة، ربما ستكون أكثر حذراً وتريثاً مع الإدارة السورية الجديدة’’.
وقيام واشنطن بتغيير نوعية التأشيرة الممنوحة لأعضاء البعثة السورية من “ج1” إلى “ج3’’ يحمل طابعاً رمزياً حاداً يُترجم ديبلوماسياً على أنه سحب الاعتراف الفعلي بالحكومة التي تمثلها البعثة، وتقييد صلاحيات البعثة على مستوى التنقل والامتيازات القانونية والدبلوماسية، وفق المر.
الشمري أيضاً يرى أن التحرك الأميركي قد لا يكون معزولاً، واتفق مع المر في مسألة أن تحذو دول غربية أخرى حذو واشنطن، مستفيدة من الخطوة الأميركية لتبرير تشديد مواقفها تجاه دمشق.
وأضاف، أن هذا القرار يطرح تساؤلاً مهماً وهو: ‘‘ما مدى استمرار الاعتراف الدولي بالحكومة السورية الجديدة، خصوصاً إذا ما تزايدت الإجراءات العقابية المماثلة؟’’، منوهاً إلى أن القرار يؤثر على التحركات الديبلوماسية الإقليمية، مع احتمالية أن تتبنى دول أخرى مواقف أكثر تشدداً تجاه سوريا خلال الفترة القادمة.
بينما للباحث في الشؤون الجيوسياسية والتنمية، وجهة نظر معاكسة فلا يعتقد أن تحذو دول الاتحاد الأوروبي حذو واشنطن، وأوضح أن ‘‘الحسابات الأوروبية تختلف عن الأميركية، خاصة في ظل احتدام الصراع والخلاف الأوروبي الأميركي’’.
وأزاد الخياط، أن ‘‘الاتحاد الأوروبي أزال بعض العقوبات بشكل جزئي عن سوريا وهناك حوارات مع الحكومة السورية الجديدة، خاصة في ظل احتضان عربي لدمشق، لأن الدول الأوروبية تأخذ في عين الاعتبار علاقاتها مع الدول العربية التي لها دور اقتصادي في أوروبا خاصة مصر والسعودية والكويت وقطر’’.
ورغم أن القرار الأميركي يحمل صبغة قانونية، إلاّ أنه وفق مراقبين لا تُخفى أبعاده السياسية، خاصة أنه جاء في سياق سياسي داخلي وخارجي متشابك، حيث تسود أجواء من التوجس داخل واشنطن تجاه أي سلطة ناشئة في منطقة الشرق الأوسط تستند إلى مرجعيات دينية أو أيديولوجية. ويجمع مراقبون على أن إمكانية إعادة نظر واشنطن بقراراتها مرتبطة بمدى التزام الحكومة السورية الانتقالية بمعايير الحكم المدني والتمثيل الوطني الشامل.










