بعد قرابة 4 أشهر على سقوط النظام السوري المخلوع، لا تزال الليرة التركية تحتل مكانة في التعاملات اليومية بشمال غربي سوريا، حيث أصبحت الخيار الأفضل للتجار والمواطنين، وسط شح متزايد في الليرة السورية التي تعافت بشكل نسبي خلال الأشهر الماضية لتصل إلى 10 آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد.
ومع فقدان النظام المخلوع سيطرته على مناطق شمال غرب سوريا، ودخول القوات التركية، تحولت الليرة التركية لبديل قوي عن الليرة السورية التي فقدت قيمتها بشكل كبير وغير مسبوق، في حين اعتمدت المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة كمحافظة إدلب وأجزاء من أرياف حلب وحماة واللاذقية، على الليرة التركية كعملة رسمية للرواتب والمعاملات التجارية.
ويقول التاجر محمد السامح (38عاماً) وهو من سكان مدينة سرمدا شمال إدلب، إن “الأهالي والسكان تعاملوا بالليرة التركية لأنها كانت مستقرة مقارنة بالليرة السورية التي تفقد قيمتها كل يوم، حتى الرواتب في الدوائر الحكومية والمؤسسات الخدمية تدفع بالليرة التركية.”
ويضيف السامح للعدد الخامس من صحيفة “963+”، أن “انهيار وهبوط الليرة التركية إلى مستويات قياسية في الآونة الأخيرة وحالة عدم استقرار أسعار صرفها، يثير التساؤلات حول استمرار التعامل بها خاصة أنها باتت مشابهة للعملة السورية من حيث الارتفاع وعدم الثبات عند حد معين.”
ويشير إلى أن “أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية تشهد ارتفاعات يومية بسبب سوق الصرف المتذبذب، ما أدى لتفاوت وارتفاع كبير بالأسعار، واحتكار التجار للعديد من المنتجات والسلع بهدف زيادة الأرباح ومضاعفتها”.
وانخفضت قيمة الليرة التركية بشكل غير مسبوق حيث بلغت 39 ليرة مقابل الدولار الواحد، بعد مرحلة من الانهيار خلال الأشهر الماضية، حيث هبطت قيمة الليرة التركية بأكثر من 11% أمام الدولار الأميركي العام الماضي، وأكثر من 40% منذ بداية العام 2023.
ويبدي ياسين الطيار (42عاماً) وهو عامل المياومة ونازح في مخيمات إدلب، استيائه من الأوضاع الاقتصادية وما وصل إليه حاله بعد اعتماد الليرة التركية فيقول للعدد الخامس من صحيفة “963+”، “منذ انهيار الليرة التركية وتذبذب أسعارها لم أعد أستطيع تأمين الحد الأدنى من المستلزمات المعيشة الأساسية لعائلتي المؤلفة من خمسة أشخاص.” مشيراً إلى مضاعفة معاناته في ثبات أجور العمال والموظفين، في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق ارتفاعاً كبيراً بالأسعار.
ويضيف: “أجري اليومي لا يتعدى 200 ليرة تركية (5 دولارات) في أحسن الأحوال، وهو مبلغ لا يكفيني ثمن الخبز وبعض أصناف الخضروات لي ولعائلتي، مؤكداً على “ضرورة إيجاد حلول من قبل المؤسسات الحكومية، وإعادة التعامل بالليرة السورية التي تشهد تحسناً ملحوظاً بعد سقوط النظام المخلوع.”
ومنذ نهاية العام 2019 تشهد تركيا التي وقعت في دوامة من انخفاض قيمة العملة، تضخم مكون من رقمين، مما يجعل من الصعب تحمل تكلفة المعيشة بالنسبة للكثير من العائلات، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية “فرانس برس”، في حين بلغ معدل التضخم في تركيا ذروته عند 75.45 بالمئة على أساس سنوي في مايو/ أيار، عام 2024.
وفي المقابل لا تزال المحافظات التي تتداول بالليرة السورية، تعاني من صعوبات كبيرة بسبب التضخم الجامح، فقبل سقوط النظام المخلوع وصل سعر صرف الدولار الأمريكي إلى أكثر من 15000 ليرة سورية في السوق السوداء، مما أدى إلى انخفاض القوة الشرائية للمواطنين إلى أدنى مستوياتها.
وعلى الرغم من التحسن الملحوظ الذي طرأ على العملة السورية، إلا أن السكان لم يلمسوا أي انخفاض في أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، مما أثار استياء الأهالي الذين تفاجأوا بثبات الأسعار في الوقت الذي كان من المفترض فيه انخفاضها بشكل ملحوظ.
وتقول المعلمة منتهى الإسماعيل من سكان مدينة دمشق، إن “الليرة التركية بدأت تدخل إلى أسواق دمشق بشكل تدريجي، ولكن عدم ضبط أسواق الصرف يضع حاملها عرضة للاحتيال من قبل محلات وبسطات الصرافة الغير مرخصة، وهو ما يمنع معظم السكان من التداول بها واستخدامها في المعاملات المالية اليومية.”
بدوره، قال الخبير والمحلل الاقتصادي يونس الكريم، إن الحكومة قد تستغرق من 2 إلى 5 سنوات حتى تتمكن من تفعيل الليرة السورية على كامل البلاد، بسبب الصعوبات المتمثلة بعدم توفر السيولة النقدية، بالإضافة لعدم تواجد مراكز بنكية تابعة لها في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، فضلاً عن أن تركيا لازلت تمنح الفصائل العسكرية رواتب شهرية بالليرة التركية.
وأضاف في تصريحات للعدد الخامس من صحيفة “963+”، أن استمرار انهيار الليرة التركية سينعكس سلباً على المواطنين والسكان من خلال تسببها باستمرار خسائرهم المادية، وذلك بسبب اعتماد التجار على الدولار الأمريكي كعملة أساسية في العمليات التجارية وشراء البضائع، مما سيزيد رسوم الاستيراد والشحن وبالتالي ارتفاع أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية.
وأشار الكريم إلى عدم قدرة الادارة الانتقالية في سوريا على اتخاذ قرارات بشأن تحديد عملة التداول في الوقت الحالي، بسبب تعقيدات المشهد السياسي، خاصة وأن تركيا تعتبر الحليف الأول لدمشق التي لا تريد إغضاب أنقرة بإعادة كميات كبيرة من الليرة التركية إلى خزائنها، مما سيؤثر بشكل كبير على البنك المركزي التركي.
نشرت هذه المادة في العدد الرابع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 4 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










