ليس لأحد أن يتغاضى عن التطابق التفصيلي، وعلى أكثر من مستوى، بين آلية تشكيل الحكومة السورية الانتقالية الراهنة، ومختلف الحكومات التي شكلها بشار الأسد وأبوه، قائمة على تقسيم الحكومة وكامل جهاز الحُكم ومؤسسات السلطة في البلاد إلى مستويين متناظرين/مستقلين تماماً عن بعضهما: الأول مركزي صلب هو نواة الحُكم الفعلية والدولة العميقة، والثاني ظاهري وسطحي هو شكل الدولة.
طوال عقود، كان الأول يتمثل بوزارات الحكومة ومؤسسات السيطرة الرئيسية، تابعة ومُحتكرة ومُتحكم بها مباشرة من رأس الحُكم، كوزارات الدفاع والخارجية والداخلية ورؤساء أجهزة الأمن، حيث طابقت الحكومة الانتقالية ذلك المنطق حين جعلتهم كلهم من حصة “هيئة تحرير الشام”. وأخرى شكلية وهامشية، كالوزارات الخدمية والأجهزة التنفيذية، التي كانت توزع كـ”عطايا” لطيف الزبائن المحليين، لخلق صورة شكلية عن شراكتهم في الحُكم، وإرضاء طبقات عديدة من طالبي الحصص من “كعكعة السلطة”، وحدث أن مُنحت وزارات الزراعية والنقل والتربية والسياحة في الحكومة الانتقالية لمجموعة من التكنوقراط التنفيذيين، الذين قيل إنهم يمثلون الجماعات الأهلية السورية، ويعبرون عن “الشراكة” التي في بنية الحكومة.
من قبل، سارت الأسدية أكثر من نصف قرن في ذلك المنطق، رسمت خطاً فاصلاً بين مستوى حُكم الدولة: واحد داخلي وصلب تنبع قوته وسلطته من ذاته، يشكل مرجعية لنفسه وسلوكه، يتصرف دون قانون رادع أو إمكانية للمحاسبة والتقاضي والمعاقبة، ذو صلة مباشرة مع رأس الحُكم، يتأتى الفاعلون والمشرفون على مؤسساته وأجهزته من الطبقات الاجتماعية والدوائر الأهلية المُطابقة لرأس الحُكم، من المستأمنين تماماً في ولائهم العقائدي والعائلي والمناطقي، لا يظهرون كثير على وسائل الإعلام، ولا يُعبرون عن مواقف قد تُحدث خلافاً أو استقطاباً حولهم، تجمعهم سيمياء رمزية ولغوية وسلوكية، قاموسهم السياسي والإيديولوجي مشترك ومتفق عليه مسبقاً، معبئين بحس “العائلة الواحدة”.
خارج هؤلاء، كان ثمة “السلطة الشكلية”، ممثلة في الهياكل الظاهرة للمجتمع والعالم الخارجي، حكومة مؤلفة من وزارات، مجلس شعب فلكلوري، نقابات مهنية وبلديات محلية، مجالس محافظات وهيئات رياضية واقتصادية، ومثلها دوائر ومؤسسات شكلية لا تُعد، تنفذ إرادة وتوجيهات السلطة الحقيقية، لكنها لا تنتج السلطة من ذاتها قط، يُمكن طرد/استبدال أعضائها دون أي تأثير على هيكلية البنى التي يعملون فيها، حتى لو انشق القائمون عليها، فإن شيئاً لن يتغير، وهو ما أثبتته أحداث لا تُعد لكثرتها.
يستعيد الحكام الجدد للبلاد هذه الآلية في صناعة “الدولة العميقة” تبعاً لمجموعة من الخصائص التي يتمتعون بها، ولا يستطيعون إدارة شؤون الحُكم إلا عبرها. فالفقر الشديد في ثقافتهم السياسية يُحيلهم إلى وعي الدولة وحُكمها كمساحة ذات ملكية خاصة، لا مؤسسة تعاقدية مفتوحة، بين أجهزة ومؤسسات الحُكم وأمة المواطنين، عبر ميثاق أولي ومستدام وحكمٍ فيما بينهم هو الدستور، ومواثيق لاحقة ونابعة من الدستور هي القوانين العامة. الرؤية الأولى تفترض وتفرض أن يكون لهذه الدولة/المملوكة حُماة مستأمنين، يجمعهم الولاء الداخلي والسلطة غير المقيدة. بينما الشكل التعاقدي للدولة يفترض أن تكون مؤسسات الدولة مفتوحة على أكثر من مستوى، أبوابها مشرعة لكل المواطنين، وكل بحسب طاقته وقدراته، مؤسسات مكشوفة للمراقبة الإعلامية والمحاسبة القضائية، محكومة بالقانون العام لا مصالح رأس الحُكم وحاجاته.
الميول الطائفية في ذات الحاكمين الجدد دافع آخر. فذلك النزوع يجعلهم يقسمون السوريين إلى جماعات، واحدة فقط منها مستأمنة “المركز”، بينما الباقيات يُشك في أمرها. الطائفية بهذا المعنى تصنع عصبيات أولية تقسم المجتمع إلى مركز وهوامش بالضرورة، إلى نواة صلبة مالكة لمركز الحُكم في البلاد، وأطراف يُشك دوماً بنوازعها للوصل إلى المركز، وتالياً يُحذر من شراكتها واندراجها ضمن مركز الفعل. هذا الوعي الطائفي/العصبي هو مصدر كل محاولة لتكريس المركزية السياسية والإدارية والاقتصادية، لأنها يعتقد أن أية “لامركزية” ستُفقد الجماعة المركزية هيمنتها المطلقة على الأخريات؛ هذه المركزية الشديدة التي تتحول في أعلى تجلياتها لأن يكون للدولة ونظامها الحاكم “نواة صلبة”.
أخيراً، كان خيار “الدولة العميقة” توأماً مُلازماً للشمولية. فالديموقراطية التي كانت في جوهرها الأكثر عمقاً تعني تفكيك هالة الحُكم، وتحويلها مع مؤسساتها إلى أشياء وممارسات تنفيذية اعتيادية، من دون سلطات أو قدرات استثنائية، كانت تعني فعلياً تفكيك “الدولة العميقة”. لم تفعل الديموقراطية ذلك لسبب أو نزعة مزاجية، بل كخيار وظيفي. فالديموقراطية حين كانت تجنح لذلك، كانت تريد أن ترفع يد كل فرد أو جماعة عن القدرة على الهيمنة والسيطرة على الآخرين، أياً كانوا. لكن، حين يكون ثمة من يُريد تشييد نظام شمولي، فإنه سيسعى لصناعة مركزٍ ونواةٍ مفعمة بالغموض والاستثنائية والسلطات المتجاوزة للحدود العادية لقدرات البشر والمؤسسات الاعتيادية، أي “دولة عميقة” للحُكم.
الطائفية تصنع عصبيات أولية تقسم المجتمع إلى نواة صلبة مالكة لمركز الحُكم، وأطراف يُشك دوماً بنوازعها للوصل إلى المركز
نشرت هذه المادة في العدد الرابع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 3 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










