لا تزال “الحكمَتان” الاستراتيجيتان المتعلقتان بالدروز صالحتين إلى اليوم. تقول الأولى إن توزّع أبناء الطائفة الدرزية بين سوريا وإسرائيل ولبنان هو ضعف لها، خاصة وأن قوتهم الديموغرافية موجودة في سوريا، والسياسية في لبنان، والعسكرية في إسرائيل حيث يشاركون بشكل جدّي في الجيش الإسرائيلي. أما “الحكمة” الثانية، فترى هذا “الضعف” بمثابة قوة للدروز، تجعل كل جماعة في بلد منهم، حرّة في خياراتها ولها هامش من الحركة والقدرة على التحالف مع قوى ودول متنوّعة.
يتراوح واقع دروز سوريا اليوم بين هاتين الحكمَتين القديمتين، هذا بغض النظر عن الخطر المحدق بهم في الزمن الحالي بالمقارنة مع الواقع “المريح” في الزمن الذي مضى. وحالياً، يريد النظام الجديد في سوريا توسيع رقعة نفوذه والتمدد جنوباً والسيطرة على أكبر قدر من التراب السوري، فيما يجد الدروز واقعهم صعباً أمام طغيان مركزية دمشق وحكامها الجدد، وهم لا يستسيغون، على جميع الأحوال، النزعة الوحدوية والإسلامية المتطرفة للحكم الجديد.
لا يزال الدروز في سوريا يقفون عند مفترق طرق استراتيجي بالغ الحساسية، يحدّده واقعهم الجغرافي والسياسي المعقد. ففي الوقت الذي تزداد فيه حدة التوترات الداخلية في سوريا، ويترسخ فيه نفوذ القوى الكبرى في المنطقة، يجد أبناء الطائفة الدرزية أنفسهم في مواجهة مع خيارات مريرة تتراوح بين التمسك بالحياد أو التكيّف مع الواقع المتغيّر تحت ضغوط إقليمية ودولية كبيرة.
إن واقع دروز سوريا لا يقتصر على تحديات داخلية فقط، بل يُضاف إليها تأثيرات خارجية معقدة، أبرزها دور إسرائيل في معادلة الأمن الإقليمي، وعلاقة الدروز معها. فإسرائيل، التي تعد قوة إقليمية مؤثرة، تعتبر نفسها ضامنة للأمن الديني والعرقي للطائفة الدرزية في سوريا، خاصة بعد إعلانها مراراً استعدادها للتدخل لحمايتهم في حال تعرضهم لهجوم من أي طرف. وقد تجسّد ذلك بوضوح في التصعيد الذي شهدته مدينة جرمانا الواقعة في الضاحية الجنوب شرقية لدمشق التي تقطنها غالبية من الدروز والمسيحيين، حيث تدخلت إسرائيل عسكرياً عبر تهديدات صريحة بمهاجمة النظام السوري الجديد إذا ما استهدف الدروز، حيث قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في بيان رسمي في الأول من آذار/مارس: “لقد أصدرنا أوامرنا للجيش بالاستعداد وإرسال تحذير صارم وواضح: إذا أقدم النظام على المساس بالدروز فإننا سنؤذيه”.
هذه الحماية الإسرائيلية ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى استثمار الوضع السوري المتدهور لصالح تل أبيب. ففي الوقت الذي تشهد فيه سوريا انتقالاً سياسياً هشاً وغير مكتمل، حيث لم تتمكن السلطات الانتقالية من الوفاء بتعهداتها بتشكيل حكومة شاملة أو توحيد قواها العسكرية وحلّ الميليشيات المتنوعة، بدأت إسرائيل في رسم حدود نفوذها عبر القصف المكثف للجيش السوري في مناطق الجنوب، وتحديداً في مناطق درعا والقنيطرة وريف دمشق. ولعل ما حدث في جرمانا يبرز الحقيقة الأهم، وهي أن إسرائيل ليست مجرد لاعب عادي في المشهد السوري، بل هي صانعة القرار الأهم في بعض المناطق الحساسة.
أما بالنسبة لدروز سوريا، فالوضع يشير إلى مأزق استراتيجي آخر. فهم، من جهة، لا يستطيعون رفض الحماية الإسرائيلية التي توفر لهم الأمان في ظل تهديدات النظام السوري الجديد، ومن جهة أخرى، لا يمكنهم التماهي الكامل مع السياسة الإسرائيلية، خصوصاً في ظل التوترات الطائفية والعرقية التي قد تترتب على ذلك. فالتمايز بين الدروز في سوريا عن “إخوانهم” في إسرائيل يشير إلى تعقيدات إضافية، خاصة في ظل رغبة بعض الفصائل مثل “حزب اللواء السوري” في الوصول إلى حلول سياسية تشمل الفيدرالية أو السلام مع إسرائيل. في المقابل، يلعب الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف دوراً محورياً في حشد الحماية الإسرائيلية لدروز سوريا، كما يشرف على إرسال أطنان من المساعدات من دروز بلاده إلى دروز سوريا، لينهي حاجتهم لأي تعاون اقتصادي مع دمشق وحكمها الجديد.
أما الخيار الآخر الذي يطرحه بعض المراقبين فهو تعزيز العلاقة مع القوى المحلية السورية وضمنها النظام السوري. ولكن هذا الخيار ينطوي على العديد من المخاطر، خاصة في ظل السياسات الاعتباطية للنظام السوري الحالي، والذي يواجه موجات من الرفض من مختلف فئات الشعب السوري، بما في ذلك فئة واسعة من الدروز، التي قد تجد نفسها في صراع مع النظام الجديد الذي يتسم بنزعة إسلامية وحدوية ضاغطة لا تتناسب مع الواقع الديني والطائفي والعرقي المتعدد في سوريا.
وفي هذا السياق، يتضح أن خيار “البقاء في الوسط” أو “الحياد” الذي غالباً ما يراهن عليه طيف واسع من دروز سوريا هو خيار غير عملي في ظل القوى المتصارعة على الأرض السورية. فدروز سوريا، الذين يتمتعون بهوية سورية وطنية قوية، لا يمكنهم تجاهل التوجهات الاستراتيجية الإسرائيلية، لكنها في الوقت نفسه، لا يمكنهم الانخراط في تحالفات إقليمية قد تؤدي إلى تمزيق نسيجهم الاجتماعي أو تؤدي إلى تغذية النزاعات الطائفية.
تتمثل المشكلة الجوهرية هنا في غياب أي رؤية استراتيجية موحدة من قبل الزعامات الدرزية في سوريا. لا بل إن غياب الزعامة الدرزية القوية والقادرة في سوريا هو مشكلة بحد ذاتها. فبينما يسعى البعض إلى حماية الهوية الدرزية ضمن إطار الدولة السورية، يسعى آخرون إلى تحصين أنفسهم ضمن منظومة إقليمية مختلفة، سواء عبر العلاقة مع إسرائيل أو عبر محاور أخرى قد تكون أكثر قبولًا في المستقبل. لكن الحقيقة التي تبرز بوضوح هي أن غياب الفهم الاستراتيجي العميق للمشهد السوري والإقليمي قد يضع الدروز في مأزق كبير، لا سيما في ظل التغيّرات السريعة في التحالفات الإقليمية والدولية، كما الاندفاعة الإسرائيلية الكبيرة في القيام بما تشتهيه في سوريا.
في النهاية، يبقى الخيار الأهم للدروز هو تحديد أولوياتهم الاستراتيجية: هل سيستمرون في المناورة بين القوى الأقوى منهم؟ أم سيجدون طريقاً يحقق لهم الأمن والحرية ضمن إطار الدولة السورية؟ أو إن التقارب مع إسرائيل سينسحب إلى تحالف شامل، يؤمّن منطقة عازلة لإسرائيل كما الحماية لدروز سوريا؟ هذه الأسئلة المهمة ستظل رهينة الأيام القليلة المقبلة وستحدد مصير الطائفة في سوريا في السنوات المقبلة، فيما الإجابة عنها ستكون مفتاحاً لفهم مسار الصراع المستمر في المنطقة، وما تريده إسرائيل تحديداً ومن خلفها أميركا من سوريا.










