فيما خص المسار القانوني/القضائي الطويل، الذي من المفترض أن تخوضه أية دولة بعد مرحلة “الاستبداد المديد”، تبدو سوريا راهناً في موقع شديد القلق، يُنذر بإمكانية خروج الأمور عن السيطرة في أية لحظة، وانهيار كامل لهذه المنظومة في أي وقت، وتالياً فتح باب الجحيم.
فبينما تجري عمليات اعتقال واسعة بحق آلاف المتهمين المحسوبين سياسياً وتنظيمياً على النظام السابق؛ فأنه ليس من أي سياق يوضح الآلية والفضاء الذي ستتم محاسبتهم وفقه. في نفس الوقت، تبدو السلطة الحاكمة راهناً مستنكفة عن أية توسعة لنطاق المحاسبة، لتشمل كل مرتكبي الجرائم طوال السنوات الماضية، بما في ذلك الموالين والمقربين منها. مع الأمرين، ليس من حضور للمؤسسات الوطنية أو العالمية المختصة بهذه الملفات في المجال السوري، تتمتع بالاستقلالية والتفوق الرمزي على باقي السلطات السياسية. إذ يبدو واضحاً قلق الحاكمين الجدد من الجهات التحقيقية والقضائية الدولية، لأن أعمالها قد تطالهم في أي وقت، تحققاً من أدوارهم في الكثير من الأفعال التي مرت على البلاد خلال السنوات الماضية.
مسار العدالة السوري ليس مجرد ملف ثانوي أو قضية معزولة عن مجمل قضايا التحول الديمقراطي البلاد، فهذه الأخيرة تبدو مستعصية، وغالباً مستحيلة، دون صحية وسلامة هذه المسار، على الأقل كما اثبتت تجارب أغلب دول العام.
فلو استمرت الأمور على ما هي عليه راهناً، سيفقد الكثير من السوريين الثقة ببنيان الدولة وإمكانية تحقيقها لمطالبهم المحقة بحق المرتكبين، وبذا سيجنحون لأنواع من “الثأر الشخصي”، خصوصاً في البيئات الأكثر أهلية. في نفس السياق، لو اُختصر تطبيق العدالة على نوع من السوريين دون غيرهم، ستندلع نزعة طائفية، تعتبر مسار العدالة جزء من آلية القسر والهيمنة. فيما لو تبعثرت الأدلة وفشلت المؤسسات في تحقيق مهامها، فأنها ستكون دلالة على سوء قدرة النظام الجديد على تشييد نفسه.
لكن مسألة العدالة وآلية تطبيقها ونوعية مؤسساتها سياسية أولاً، في وقت تبدو السياسة معزولة ومهمشة تماماً في سوريا الراهنة. فالحكام الجدد يستحصلون على شرعيتهم من السلاح والأحقية الثورية، فيما تحبوا القوى السياسية نحو إعادة بلورة لشخصيتها وتنظيماتها الداخلية، وليس من أية مؤسسات دولتية سياسية في الفضاء السوري، لا برلمان ولا قانون للأحزاب ولا صحافة حرة.. الخ.
فسياسياً مثلاً، على السوريين ومؤسساتهم ونظام العدالة في بلادهم أن يطرح أسئلة من مثل: ما هو تعريف المُرتكب/المدان في جرائم الحرب حسب نظامهم السياسي/القضائي الجديد؟!، وما هو نطاق تطبيق مبدأ المحاسبة والعقاب على أعضاء النظام السابق والقوى المناهضة له؟!. هل سيكونون بضع مئات من المرتكبين المخططين الذين في أعلى سلم القرار السياسي والأمني!، أم سيتوسع ليطال عشرات الآلاف من الفاعلين، ومن كل الجماعات المتصارعة. ومثلها اسئلة كثيرة، ذات طابع سياسي أولاً، ترسم مسار النشاط القضائي.
كانت تلك الأسئلة اعتيادية وتقليدية في البلدان التي شهدت أنظمة شمولية وشديدة العنف والاستبداد كالتي كانت في سوريا. وفيها جميعاً كانت تلك المحددات المقياس قابلاً للتسويف، فجيوش كاملة من المرتكبين قالوا “لقد كُنا مأمورين”، وآلاف آخرون من الأبرياء غرقوا في بحر الانتقام الوحشي، لأسباب طائفية وقومية وسياسية ومناطقية، تمت تغطيتها بمؤسسات “العدالة” والقضاء، فيما تمت تبرئة آلاف المرتكبين الآخرين، فقط لأنهم انتصروا عسكرياً وصاروا سلطات جديدة.
خاضت “أنظمة القضاء العامة” في الكثير من الدول التي شهدت أنظمة ديكتاتورية تجارب متفاوتة في القيمة والقدرة على تحقيق العدالة في ذلك الإطار. بعضها كان شديد الفشل، بسبب المعايير التي أخذت بها واستخدمتها في تحديد هوية “المرتكب” و”الضحية” و”مجال العدالة”.
التجربة القضائية الألمانية عقب الحرب العالمية الثانية كانت الأكثر حذاقة وعمقاً في فعل ذلك، وهي حققت تلك النتائج بعد عقود من تطوير النظام القضائي الألماني في قطاع “الجريمة العامة المنظمة” التي تمارسها عادة الدول أو الجيوش أو حتى الأحزاب والميليشيات.
الألمان، وفقط اعتباراً من أوائل التسعينات، قالوا/عرفوا المُرتكب بأنه “الشخص الذي كان عضواً في أي تنظيم، مهما كان صغيراً، وتقوم منظمته بهذا بفعل شائن المحطم لحق الحياة لأناس بعينهم تبعاً لهويتهم الأهلية أو السياسية، وكان هذا الشخص يستطيع مغادرة ذلك التنظيم، أو فعل شيء يقلل من هول هذه الجريمة، دون أن تكون حياته مهددة بالخطر، ولم يفعل، فهو مُدان ومرتكب، سواء أفعل الجُرم بنفسه أو لا”.
في سوريا، لو طُبقت هذه القاعدة القانونية، سيكون المُدانون بمئات الآلاف، وتالياً سيكون المجتمع أمام أفظع شقاق داخلي، ولو لم تطبق، سيعني أن مئات الآلاف من المجرمين سيعيشون دون عقاب أو محاسبة، وتلك أيضاً فظاعة، بين الفظاعتين، ستحيا سوريا طويلاً تراجيدياً اسمها “أعمال فردية”.










