ربما من المهم التذكير، قبل الإجابة عن هذا السؤال الذي يراود الكثيرين منا، ولو بأشكال مختلفة (مثلاً ما إذا كانت سوريا ستُحكم بالإسلام السني أو أن يشكل فيها هذا الإسلام هوية الدولة والدستور شرعياً وعقائدياً، الخ) أنه في سنة 1992 نشر الباحث الفرنسي أوليفييه روا O. Roy كتابه الذي ذاع صيتاً حينها “فشل الإسلام السياسي” (L’Échec de l’islam politique). وقد كانت حجة الكتاب الرئيسة بأن الأهداف الكبرى التي وضعتها حركات الإسلام السياسي بمعظمها في البلاد العربية وإيران قد فشلت في تحقيق مرماها: مثلاً إقامة الدولة الإسلامية المنشودة (الهدف الذي بدأ بالتأدلج بعد السقوط النهائي للدولة العثمانية في مارس 1924)، وإحياء الأمة الإسلامية، وإعادة أسلمة المجتمعات المسلمة بما يتوافق وهذه الأدلجة. ونظراً لقوة هذه الأطروحة من روا، فقد أيدها الكثير من الباحثين في حقل الإسلام السياسي، وتحديداً أمام فشله في تحقيق طوبى الدولة الإسلامية. وبصرف النظر عن انتقاداتي لهذه الأطروحة (التي ناقشتها في مكان آخر، وتحديداً في مسألة القصور في معالجة الكيفية التاريخية لهذا الفشل الذي خلق نفسه ميوعة ومرونة في توليد وإعادة توليد المئات من الحركات الإسلاموية في العديد من البلدان والتوسع واحتلال مساحات جديدة)، فإن الآكد أنه لم يستطع أي تنظيم إسلاموي، سواء أكان جهادياً أم سياسياً أم تنظيماً جامعاً بين هذين البعدين، أن يحقق ما تصبو إليه أدلوجته، أي الفشل في إقامة الدولة الإسلامية. وهذه بالفعل تحسب لـ روا في أطروحته.
إلى أي حدّ يمكن أن ينطبق هذا الفشل في سوريا الغد؟ أولاً يجب التأكيد أن صعود الإسلاميين اليوم (وربما في الأشهر القادمة للحكم)، وعلى رأسهم “هيئة تحرير الشام” إلى مقاليد السلطة في دمشق لا يعني على الإطلاق صعود أيديولوجية الإسلام السياسي، هذا فضلاً عن القول إن هذه لم تكن أبداً عاملاً في إصعادهم. لأنّ هؤلاء الإسلاميين لم يكونوا بالأساس “وقوداً” لإشعال انتفاض السوريين في وجه الأسد، ولأنّ هذه الثورة قد كشفت عن أحجامهم (للأسف الأحجام الإقليمية والدولية، لا السورية)، فليس من المستغرب أن نجدهم في وضع يشبه المتسلق على أكتاف السوريين، وربما كإحدى العوائق الكبيرة في مشهدية التحول الديمقراطي المنشود.
في الواقع، فقد استنفد الإسلام السياسي الكلاسيكي كافة قدراته وحوامله الأيديلوجية ليكون بديلاً سياسياً حقيقياً لأي نظام سياسي وقف ضده أو عارضه. ويتجلى ذلك بدءاً من الخطاب الأساسي الذي مثّله الإخوان المسلمون، باعتبارهم “الجد المؤسس” لجميع الحركات الأصولية (شيعية كانت أم سنية)، وصولاً إلى أصغر الأحزاب السلفية التي ظهرت في سوريا، وليس آخرها تحرير الشام. وكلنا يعلم العوامل الكثيرة التي يصعب ذكرها هنا التي ساهمت في هذا الصعود، وعلى رأسها العامل الدولي والإقليمي وبعض دوله (وهذا العامل يمتد إلى تسعينيات القرن العشرين واشتد مع ثورات الربيع العربي، وتحديداً في سوريا ومصر) والذي لطالما مثلت فيه هذه الحركات الإسلاموية “رأس مال سياسي” في الإقليم وأحياناً تخريبي على حساب دعم أية بدائل سياسية أخرى، فضلاً عن التصحر وفشل المعارضات السورية، العربية والكردية، في تشكيل أجسام سياسية علمانية موحدة فاعلة كان يمكنها الوقوف في وجه ديكتاتورية الأسد. وليس غريباً ونحن نشاهد اليوم أعضاء الهيئة وهم يتحدثون كما لو أنهم الدولة من دون تفويض شعبي، وتقاطر الدول الغربية والإقليمية وتسابقها في الاتصالات معهم، بل وتثبيت هذه المشهدية التي تقصي أطيافاً واسعة من السوريين. إنها السياسات الغربية المنافقة نفسها التي دعمت ديكتاتورية الأسد بأشكال مختلفة، وتساهم اليوم رويداً رويداً في إصعاد وتكريس رأس المال الإسلاموي هذا. وهذا بحد ذاته لا يمت بصلة لا لإسلام ولا ولأي انتصار لأيديولوجية إسلاموية. إنها القوى الغربية نفسها التي أصعدت الإخوان في مصر، ومن ثم سقطوا، واليوم تعاود الكرة في سوريا.
من هنا ضرورة التفريق بين الإسلاميين، كطلاب سلطة (حالهم كحال أشقائهم من ديكتاتوريي البعث)، وبين الأيديولوجية الإسلاموية التي يتكؤون عليها. صعود هؤلاء لا يعني صعود هذه. والحال، فإن بلداً مثل سوريا لا يمكن بأي حال أن يُحكم بأية أيديولوجية دينية (تشريعياً فقهياً وعقائدياً، بالمعنى الإسلاموي للعبارة) سواء أكانت سنية ممثلة بتحرير الشام أو بالإخوان أو غيرها (أما مشاركة الإسلاميين في الحكم أو سيطرتهم عليه وإعادة إنتاج الديكتاتورية، فهذا كلام آخر). وهذا عائد إلى عوامل كثيرة يمكن إجمالها ببعدين اثنين: الأول، التعدد الأقوامي والإثني والطائفي الذي يميز هيكلية أو خارطة المجتمعات السورية، وبالتالي إن صبغة حكم وطنية هي الضامن الوحيد لكل الطوائف والإثنيات من جهة، ومن جهة ثانية، من المهم أن نأخذ بعين الاعتبار الوضع الإقليمي أو الجيوبولوتيكي وخاصة في ظل الشروط التاريخية الحالية، وهذه التركيبة الإقليمية المتعددة لا تسمح أبداً بقيام دولة تحكمها إيديولوجية دينية بمنطق أرثوذكسي خميني آخر يضر بمصالح الآخرين. نعم يمكن أن يأخذ شكل الحكم طابعاً محافظاً مُطعّماً بحكم إسلامي هنا وآخر هناك، بيد أن هذا لن ينتج حكماً إسلامياً بمجمله كما يتمناه الإسلاميون في أدبياتهم الطوباوية.
أما البعد الثاني فيعود إلى فشل أدلوجة خطاب الإسلام السياسي نفسها وتموقعها في التاريخ وعملياته، والتي لطالما سيطر عليها في كل تاريخها في القرن العشرين فصامٌ في البناءات الأيديولوجية كان الحاضر التاريخي فيها مسقطاً ومعلقاً: ما بين مخيالية تُصوّر مجتمعاتها بأنها “منحلة” دينياً لا تتوافق أخلاقياً مع إسلام هذه المخيالية (Dystopia)، وما بين مخيالية (Utopia) تصوغها أيديولوجة “خلاصية”، ويُصوّر الإسلاميون أنفسهم بها كما لو أنهم “المخلصون” المنتظرون. وعموماً، فقد كان الشرط التاريخي الحاضر وما يتطلبه من وعي تاريخي خارج دائرة الأيديولوجية الإسلاموية لصالح ذينك المخيالين. وما أتوقعه أننا سنقرأ مرة أخرى فشل الإسلاميين في سوريا في فرض ما بناه مخيالهم الخلاصي واللاتاريخي الإيسكاتولوجي، رغم تربع بعضهم في موقع السلطة.
إن مثل هذا الفشل هو ما يفسر البراغماتية الهائلة للإسلاميين (كما نراها اليوم عند قائد تحرير الشام) في تطويع أنفسهم وتغيير جلودهم بما يتوافق ويتطلبه الشرط السياسي. أما عن الأيديولوجية الإسلاموية المخيالية نفسها وحلم تطبيقها، فستبقى، والحال هذه، في أدراج الطفولة وأحلامها. ولا شك، لن يتوانى إسلاميو تحرير الشام في ترقيع خطابهم بمصطلحات “المؤسسة” من هنا، ومصطلح “المدنية” من هناك، والتي لطالما كفرت بها أيديولوجيتهم الإسلاموية، حيث تجد، وستجد، نفسها مرة تلو المرة أمام الفشل. أما إمكانية أن يأخذ حكم القادة الجدد شكلاً طائفياً، فهذا حديث آخر يمكن التعرض له لاحقاً.










