في الثمانينيات، لم يكن “حزب الله” ليولد بهذه السرعة لولا سوريا حافظ الأسد. دمشق كانت بوابة الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وهي التي سمحت بمرور التدريب والسلاح والكوادر التي ساهمت في تشكّل النواة الأولى للحزب. لكن الأسد لم يكن يريد حزباً إيرانياً حراً في لبنان، بل ورقة مضبوطة ضمن لعبة النفوذ السوري. لذلك بقي حليف دمشق الشيعي الأول هو حركة أمل، لا حزب الله. كارنيغي يلخّص تلك المرحلة بأنها مزيج من تعاون وتوتر: سوريا ساعدت على صعود حزب الله عبر علاقتها بإيران، لكنها رأت في تمدده خطراً على حليفها الشيعي المحلي، أي أمل.
هنا تأتي ثكنة فتح الله في بيروت الغربية بوصفها لحظة تأسيسية في ذاكرة الدم بين الطرفين. في شباط/فبراير 1987، هاجمت القوات السورية مقر “حزب الله” في البسطة. تنقل مصادر متعددة أن القوات السورية قتلت 22 من عناصر الحزب أو من الموجودين في المقر، وسيطرت على الثكنة، فيما وصفت كارنيغي الحادثة صراحة بأنها “مجزرة” ضد أعضاء حزب الله في مقرهم. المعنى السياسي للمجزرة كان واضحاً: حافظ الأسد يقول لـ”حزب الله” وإيران إن لبنان، وخصوصاً بيروت، ليس ساحة إيرانية مفتوحة. يستطيع الحزب أن يقاوم إسرائيل، وأن يخدم وظيفة دمشق الإقليمية، لكنه لا يستطيع أن ينازع سوريا على قرار الطائفة الشيعية أو على أمن العاصمة. لذلك لم يردّ حزب الله عسكرياً، رغم الإهانة والدم. تدخّلت إيران لاحتواء الأزمة، وطلبت من دمشق وقف اندفاعها نحو الضاحية الجنوبية التي كانت تتحول تدريجياً إلى معقل الحزب.
سوريا لم تكن شاهداً
كانت حرب الإخوة بين “أمل” و”حزب الله”، بين 1988 و1990، صراعاً بين مشروعين: أمل بوصفها الذراع الشيعية الأقرب إلى سوريا، وحزب الله بوصفه المشروع الإيراني الصاعد. سوريا لم تكن تفصل بين الطرفين بحياد؛ كانت تميل إلى أمل لأنها كانت تريد احتكار إدارة الورقة الشيعية اللبنانية. كارنيغي يذكر أن الجيش السوري كان يتدخل أحياناً ضد حزب الله لمصلحة حليفته أمل، وأن النزاع استمر إلى أن توصلت سوريا وإيران إلى اتفاق في تشرين الثاني/نوفمبر 1990 أنهى القتال.
لهذا يصح القول إن سوريا كانت من المسببات الأساسية لحرب الإخوة، لا بمعنى أنها اخترعتها وحدها، بل بمعنى أنها أدارت ميزانها، وسلّحت أحد طرفيها سياسياً وعسكرياً، ثم أنهتها عندما نضجت الصفقة مع إيران. في تلك اللحظة تعلّم حزب الله الدرس الكبير: لا يمكنه أن ينتصر في لبنان ضد الإرادة السورية طالما أن الجيش السوري يمسك الأرض والدولة والمعابر.
“حزب الله” تحت السقف الأسدي
بعد 1990، قبل “حزب الله” عملياً بالوصاية السورية على لبنان، فسمحت له دمشق بالاحتفاظ بسلاحه تحت عنوان “المقاومة” ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. هذا كان استثناءً كبيراً: معظم الميليشيات اللبنانية جرى تفكيكها بعد الحرب، أما حزب الله فبقي مسلحاً لأنه كان مفيداً لسوريا. دمشق استخدمته ورقة ضغط في مواجهة إسرائيل ومحادثات السلام، والحزب استخدم سوريا غطاءً لبنانياً وإقليمياً لبقاء سلاحه.
لكن التوتر لم يختفِ. حين كانت سوريا تفاوض إسرائيل، كان حزب الله وإيران يخشيان أن تبيع دمشق ورقة المقاومة في صفقة إقليمية. وحين كان الحزب يبالغ في حركته السياسية أو الشعبية، كانت دمشق تذكّره بحدود اللعبة. حادثة إطلاق النار على متظاهرين مؤيدين لحزب الله ضد أوسلو عام 1993، والتي قتل فيها تسعة، كانت رسالة مشابهة: القرار الأمني والسياسي النهائي في لبنان سوري، حتى حين يتعلق الأمر بجمهور الحزب.
من الوصاية على حزب الله إلى الاعتماد عليه
مع وصول بشار الأسد عام 2000، بدأت العلاقة تميل أكثر نحو التحالف العضوي. انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عزز صورة “حزب الله”، ثم جاء الانسحاب السوري من لبنان عام 2005 ليقلب المعادلة. لم يعد “حزب الله” مجرد أداة ضمن نظام الوصاية السورية، بل صار الحارس اللبناني الأهم لمصالح دمشق وطهران. بعد 2005، تقول كارنيغي إن الحزب لم يعد الشريك الأصغر، بل أصبح صاحب القرار الميداني الأساسي في محور سوريا ـ إيران ـ “حزب الله” داخل لبنان. في حرب تموز 2006، تعمقت العلاقة أكثر. سوريا زوّدت حزب الله بأسلحة وصواريخ، لأنها كانت ترى أن إضعاف الحزب يعني إضعافها هي أيضاً. بهذا المعنى، صار بقاء الحزب قوياً جزءاً من أمن النظام السوري، لا مجرد ورقة لبنانية.
ثم جاءت الثورة السورية عام 2011، فانتقلت العلاقة إلى مستوى أخطر. حزب الله لم يعد يحتاج سوريا فقط كمعبر سلاح، بل ذهب إلى سوريا كي يمنع سقوط النظام الذي يؤمّن له العمق الاستراتيجي. عام 2013، بات تدخله العسكري في القصير وريف دمشق والقلمون علنياً، بعدما كان يقدمه أولاً كحماية لقرى حدودية ولبنانيين داخل سوريا. معركة القصير خصوصاً شكّلت إعلاناً أن حزب الله صار قوة إقليمية تقاتل خارج لبنان دفاعاً عن محور كامل.
لكن، في عهد حافظ، سوريا تضبط “حزب الله”. في عهد بشار بعد 2011، حزب الله يساعد على إنقاذ سوريا. الحزب بنى شبكات ومليشيات ووجوداً اجتماعياً ومذهبياً داخل سوريا، ما أثار قلق النظام نفسه لاحقاً، لأن دولة الأسد لم تكن تريد أن تتحول سوريا إلى نسخة لبنانية ثانية، أي دولة ضعيفة داخلها قوة مسلحة عابرة للحدود.
من الحليف الحيوي إلى الخصم الثقيل
بعد سقوط بشار الأسد وصعود أحمد الشرع، دخلت العلاقة طوراً جديداً بالكامل. لم تعد دمشق حليفاً لـ”حزب الله”، ولا ممراً مضموناً لسلاحه، ولا خلفية استراتيجية لمحوره. بالعكس، السلطة الجديدة في دمشق تشكلت من قوى قاتلت حزب الله سنوات طويلة، بعدما كان الحزب يقاتل إلى جانب نظام الأسد. رويترز تشير إلى أن الشرع تولى الحكم بعد إسقاط بشار الأسد في أواخر 2024، وأن حكومته تواجه تحديات أمنية داخلية من “داعش” وبقايا النظام ومجموعات مسلحة أخرى.
هذا لا يعني أن دمشق الشرع ستذهب فوراً إلى حرب مع “حزب الله”. الواقع أكثر تعقيداً. سوريا الجديدة تحتاج إلى الاستقرار، وإلى اعتراف عربي وغربي، ولا تريد فتح جبهة لبنانية تستنزفها. لذلك نفت دمشق نيتها دخول لبنان، وقال الشرع إن الشائعات عن دخول قوات سورية إلى لبنان “لا أساس لها”، فيما أعلن وزير خارجيته أسعد الشيباني أن سوريا منفتحة على لقاء “حزب الله” “إذا اقتضت المصالح”، وأنها لا تريد التدخل في الشؤون اللبنانية.
لكن، تحت هذه اللغة الهادئة توجد قطيعة استراتيجية عميقة. “حزب الله” في نظر دمشق الجديدة ليس “حليف المقاومة” إنما قوة قاتلت السوريين، وحمت نظام الأسد، وساهمت في تهجير وقتل وتهديم مدن سورية. أما سوريا الجديدة، في نظر حزب الله، فهي خسارة استراتيجية كبرى: خسارة خط الإمداد، وخسارة العمق، وخسارة النظام الذي منح الحزب شرعية حركة السلاح بين طهران وبيروت.










